المبحث السادس عشر
تحريم قتال المسلمين والتشديد في ذلك
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا » البخاري (1) .
وعَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا » . البخاري (2)
وعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا » مسلم (3) .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا » مسلم (4) .
(1) - صحيح البخارى (6874 ) و صحيح مسلم (291)
(2) - صحيح البخارى (7071) و صحيح مسلم(293 )
قوله : مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ ، فَلَيْسَ مِنَّا ، أي : مَنْ حَمَلَ علينا بالسلاحِ مقاتلاً ؛ كما قال في الرواية الأخرى : مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ ، فَلَيْسَ مِنَّا ، ويعني بذلك النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسَهُ وغيرَهُ من المسلمين.
ولا شكَّ في كفرِ من حارب النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ وعلى هذا فيكونُ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فَلَيْسَ مِنَّا ، أي : ليس بمسلمٍ ، بل هو كافرٌ.
وأمَّا مَنْ حاربَ غيرَهُ مِنَ المسلمين متعمِّدًا مستَحِلاًّ مِنْ غير تأويل ، فهو أيضًا كافرٌ كالأول.
وأمَّا مَنْ لم يكنْ كذلك ، فهو صاحبُ كبيرةٍ ، إنْ لم يكنْ متأوِّلاً تأويلاً مسوَّغًا بوجه.
وقد تقدَّم أنَّ مذهبَ أهلِ الحقِّ : أنَّه لا يكفُرُ أحدٌ من المسلمين بارتكابِ كبيرةٍ ما عدا الشِّرْك ؛ وعلى هذا فيحمَلُ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لَيْسَ مِنَّا في حقِّ مِثْلِ هذا على معنى : ليس على طريقتنا ، ولا على شريعتنا ؛ إذْ سُنَّةُ المسلمين وشريعتهم : التواصُلُ والتراحُم ، لا التقاطُعُ والتقاتل ؛ ويجري هذا المَجْرَى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : مَنْ غَشَّنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا ، ونظائرِهِ ، وتكونُ فائدتُهُ : الرَّدْعَ والزَّجْرَ عن الوقوع في مثل ذلك ؛ كما يقولُ الوالدُ لولدِهِ إذا سلَكَ غيرَ سبيله : "لَسْتُ مِنْكَ ، ولَسْتَ مِنِّي!" ؛ كما قال الشاعر : إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (2 / 62)
(3) - صحيح مسلم (292 )
(4) - صحيح مسلم (294 )
قال النووي : " مَنْ حَمَلَ السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلٍ ، وَلَمْ يَسْتَحِلّهُ فَهُوَ عَاصٍ وَلَا يَكْفُر بِذَلك . فَإِنْ اِسْتَحَلَّهُ كَفَرَ .
فَأَمَّا تَأْوِيل الْحَدِيث فَقِيلَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَيَكْفُر وَيَخْرُج مِنْ الْمِلَّة ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى سِيرَتنَا الْكَامِلَة وَهَدْيِنَا . وَكَانَ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَة رَحِمَهُ اللَّه يَكْرَه قَوْل مَنْ يُفَسِّرُهُ بِلَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا ، وَيَقُولُ بِئْسَ هَذَا الْقَوْل ، يَعْنِي بَلْ يُمْسِك عَنْ تَأْوِيلِهِ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي النُّفُوس وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْر . وَاَللَّه أَعْلَم ."شرح النووي على مسلم - (1 / 206)