تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَتَسْوِيدُ الْوُجُوهِ عَلَامَةُ الْخِزْيِ وَدُخُولِ النَّارِ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وَهُوَ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : فَذُوقُوا الْعَذَابَ وَهُوَ تَأْكِيدٌ آخَرُ .

وَكُلُّ هَذَا التَّقْرِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ أَهْلُ الْقِبْلَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ .

لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا اتُّبِعَ فِي بِدْعَتِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّلَافِي - غَالِبًا - فِيهَا ، وَلَمْ يَزَلْ أَثَرُهَا فِي الْأَرْضِ يَسْتَطِيلُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِهِ ، فَهِيَ أَدْهَى مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ .

قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : إِنَّ الْعَبْدَ لَوِ ارْتَكَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ بَعْدَ أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ ، لِأَنَّ كُلَّ ذَنَبٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ ، وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَيْسَ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ ، إِنَّمَا يُهْوَى بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَهَذَا مِنْهُ نَصٌّ فِي إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ .

وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِصْلَاءَهُمْ فِي النَّارِ ، وَإِنَّمَا حُمِلَ قَوْلُهُ : كُلُّهَا فِي النَّارِ أَيْ هِيَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ ، كَمَا قَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا أَيْ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَلَهُ الْعَفْوُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَكَمَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَاتِلَ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِدْرَاكُ ، كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هُنَا بِمِثْلِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ

إِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِلَّا وَاحِدَةً قَدْ أَعْطَى بِنَصِّهِ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ ، إِذْ لَوْ كَانَ لِلْحَقِّ فِرَقٌ أَيْضًا لَمْ يَقُلْ إِلَّا وَاحِدَةً وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ مَنْفِيٌّ عَنِ الشَّرِيعَةِ بِإِطْلَاقٍ ، لِأَنَّهَا الْحَاكِمَةُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِذْ رَدُّ التَّنَازُعِ إِلَى الشَّرِيعَةِ ، فَلَوْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ تَقْتَضِي الْخِلَافَ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّدِّ إِلَيْهَا فَائِدَةٌ . وَقَوْلُهُ : فِي شَيْءٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ ، فَهِيَ صِيغَةٌ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ . فَتَنْتَظِمُ كُلُّ تَنَازُعٍ عَلَى الْعُمُومِ ، فَالرَّدُّ فِيهَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَمْرٍ وَاحِدٍ فَلَا يَسَعُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْحَقِّ فِرَقًا . وَقَالَ تَعَالَى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٦٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٦٨٤