ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ - فَحَيْثُ نَقُولُ بِالتَّكْفِيرِ لَزِمَ مِنْهُ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ عَلَى الْقَاعِدَةِ إِنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ . يَحْتَمِلُ عَدَمَ التَّكْفِيرِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا نُفُوذُ الْوَعِيدِ
وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ فَيَحْتَمِلُ - عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ - أَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : نُفُوذُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ غُفْرَانٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ .
وَقَوْلُهُ هُنَا : كُلُّهَا فِي النَّارِ أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهَا . وَالْأَمْرُ الثَّانِي مِنِ احْتِمَالِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالْمَشِيئَةِ فَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ إِنْفَاذُ الْوَعِيدِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ . قِيلَ : بَلَى ؛ قَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنْ دَلَّهُمُ الدَّلِيلُ فِي خُصُوصِ كَبَائِرَ عَلَى أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَلَابُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُتَّبَعَ هُوَ الدَّلِيلُ ، فَكَمَا دَلَّهُمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي الْمَشِيئَةِ، كَذَلِكَ دَلَّهُمْ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ . فَأَخْبَرَ أَوَّلًا أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّمُ ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " خَالِدًا فِيهَا " عِبَارَةٌ عَنْ طُولِ الْمُكْثِ فِيهَا ، ثُمَّ عَطَفَ بِالْغَضَبِ ، ثُمَّ بِلَعْنَتِهِ ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا وَالْإِعْدَادُ قَبْلَ الْبُلُوغِ إِلَى الْمُعَدِّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهِ لِلْمُعَدِّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ تَحَلُّلُهُمْ أَوْ رَدُّ التِّبَاعَاتِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى الْقَاتِلِ إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يُدْرِكَ الْمَقْتُولَ حَيًّا فَيَعْفُوَ عَنْهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ .
وَأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ نَقُولَ : وَمِنْ شَرْطِ خُرُوجِهِ مِنْ تِبَاعَةِ الْقَتْلِ مَعَ التَّوْبَةِ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ : إِمَّا بِبَذْلِ الْقِيمَةِ لَهُ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ فَوْتِ الْمَقْتُولِ . فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِي صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَدِلَّةِ ، فَرَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي تَجِدُ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْمُخَوِّفِ جِدًّا .
وَانْظُرْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَهَذَا وَعِيدٌ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ