تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السُّبُلَ وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ، فَإِنَّ السَّبِيلَ الْوَاحِدَ لَا يَقْتَضِي الِافْتِرَاقَ ، بِخِلَافِ السُّبُلِ الْمُخْتَلِفَةِ .

فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَاشِرَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ :

وَاخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَلَوْ لَزِمَ مَا قُلْتَ لَمْ يَجْعَلْ أُولَئِكَ الْفِرَقَ ثَلَاثًا ، وَكَانُوا فِرْقَةً وَاحِدَةً ، وَحِينَ بَيَّنُوا ظَهَرَ كُلُّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ . فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفِرَقُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَوْلَا أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْبَرَ أَنَّ النَّاجِيَةَ وَاحِدَةٌ .

فَالْجَوَابُ أَوَّلًا : أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لَمْ نَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ فِي نَقْلِهِ ، إِذْ لَمْ نَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي لَدَيْنَا الْمُشْتَرَطُ فِيهَا الصِّحَّةُ .

وَثَانِيًا : أَنَّ تِلْكَ الْفِرَقَ إِنْ عُدَّتْ هُنَا ثَلَاثًا فَإِنَّمَا عُدَّتْ هُنَاكَ وَاحِدَةً لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الِاتِّبَاعِ ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ عَدَمِهَا ، وَفِي كَيْفِيَّةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ خَاصَّةً .

فَهَذِهِ الْفِرَقُ لَا تُنَافِي صِحَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ فِي مِلَّتِنَا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَرَاتِبَ : فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِالْيَدِ وَهُمُ الْمُلُوكُ وَالْحُكَّامُ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ بِاللِّسَانِ كَالْعُلَمَاءِ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ إِلَّا بِالْقَلْبِ - إِمَّا مَعَ الْبَقَاءِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ إِذْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ أَوْ مَعَ الْهِجْرَةِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا - وَجَمِيعُ ذَلِكَ خُطَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ الْإِيمَانِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ .

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَضُرُّنَا عَدُّ النَّاجِيَةِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثًا بِاعْتِبَارٍ ، وَعَدُّهَا وَاحِدَةً بِاعْتِبَارٍ آخَرَ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي عَدِّهَا اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، فَتَصِيرُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ سَبْعِينَ ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِرَقِ غَيْرِهَا ، مَعَ قَوْلِهِ : لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ .

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٦٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٦٨٥