عَلِيٍّ عِنْدَ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ ، وَذَكَرَ قَوْمًا فَقَالَ : كَانُوا تَحْتَ كَنَفٍ مِنَ النَّعْمَاءِ غَدِقٍ ، وَرَبِيعٍ مِنَ الْخُضْرَةِ مُؤَنَّقٍ ، تَنْهَلُّ دُهْمُهُ بِالْحَبُورِ وَتَتَدَفَّقُ دِيَمُهُ بِالسُّرُورِ ، يَجْتَنُونَ تَمْرَ الْغِبْطَةِ ، وَيَتَفَيَّأُونَ فِي ظِلَالِ النِّعْمَةِ ، وَيَخْتَالُونَ فِي رِيَاضِ الظَّفَرِ ، حِمَاهُمْ غَزِيرٌ ، وَذُرَاهُمْ حَرِيرٌ . وَأَنْشَدَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ لِحُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ :
يَقُولَانِ طَالَ النَّأْي لَنْ يُحْصَى الَّذِي رَأَيْنَاهُ إِلَّا أَنْ يُعُدَّ لَبِيبُ
بَلَى فَاذْكُرُوا عَامَ ارْتَبَعْنَا وَأَهْلُنَا مَرَاتِعَ دَارًا وَالْجَنَابُ خَصِيبُ
وَلَا يُبِعِدُ اللَّهُ الشَّبَابَ وَقَوْلُنَا إِذَا مَا صَبَوْنَا صَبْوَةً سَنَئُوبُ
لَيَالِيَ أَبْصَارُ الْغَوَانِي وَسَمْعُهَا إِلَيَّ وَإِذْ رِيحِي لَهُنَّ جَنُوبُ
وَإِذْ مَا يَقُولُ النَّاسُ شَيْءٌ مُهَوِّنٌ عَلَيَّ وَإِذَا غُصْنُ الشَّبَابِ رَطِيبُ
قَوْلُهُ : عَامَ ارْتَبَعْنَا ، يُقَالُ : ارْتَبَعَ الْقَوْمُ إِذَا أَرْتَعُوا فِي الْخِصْبِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ عَاشُوا عَيْشًا هَيِّنًا طَيِّبًا ، وَقَوْلُهُ : وَالْجَنَابُ خَصِيبُ : يَعْنِي : الْحَالُ جَمِيلَةٌ ، وَالْعَيْشُ هِنِيءٌ تَمْثِيلٌ ، وَقَوْلُهُ : إِذْ رِيحِي لَهُنَّ جَنُوبُ : يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مُوَافِقًا لَهُنَّ بِشَبَابِهِ وَطَرَاوَتِهِ كَمَا يُوَافِقُ الْجَنُوبُ الْمَطَرَ وَالْخَصْبَ ، وَقَوْلُهُ : غُصْنُ الشَّبَابِ رَطِيبُ : يَعْنِي نَضَارَةَ الشَّبَابِ وَحَسَنَهُ وَاعْتِدَالَهُ ، فَمَثَّلَهُ بِالْغُصْنِ إِذَا أَوْرَقَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَبُعْدُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ كَبُعْدِ الْكَوْكَبَيْنِ ، أَحَدُهُمَا يَطْلُعُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَآخَرُ يَغِيبُ فِي الْمَغْرِبِ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْكَوَاكِبَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَنَازِلَ لِلْقَمَرِ ، كَمَا قَالَ : وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْأَنْوَاءُ ، وَيَسْقِي اللَّهُ عِبَادَهُ بِهَا الْغَيْثَ ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَغِيبُ فِي الْمَغْرِبِ غُدْوَةً حَتَّى يَطْلُعَ رَقِيبُهُ فِي الْمَشْرِقِ غُدْوَةً ، فَهُمَا لَا يَلْتَقِيَانِ وَلَا يَتَقَارَبَانِ ، فَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي حُظُوظِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ ، لَا يَتَقَارَبُ قَاهِرٌ وَمَقْهُورٌ ، وَمَحْرُومٌ وَمَرْزُوقٌ ، وَمُعَافًى وَمُبْتَلًى ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ " (1)
وقال المهلب: احتج قوم بهذا الحديث فى تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه، بل هو حجة عليهم، لأن النبى، - صلى الله عليه وسلم - ، لم يخش عليهم ما يفتح
(1) - أَمْثَالُ الْحَدِيثِ لِلرَّامَهُرْمِزِيِّ(17 -19)