وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ "
وعَنْ مَيْمُونَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : " الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِيهَا وَأَصْلَحَ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْآكِلِ وَلَا يَشْبَعُ ، وَبَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ كَبُعْدِ الْكَوْكَبَيْنِ ، أَحَدُهُمَا يَطْلُعُ فِي الْمَشْرِقِ ،وَالْآخَرُ يَغِيبُ فِي الْمَغْرِبِ "
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِنَا عَنْ قَوْلِهِ : " الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ " ، عَلَى مَا يَقَعُ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ ؟ فَقَالَ : مَعْنَاهُ إِنَّ مَا عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَتَاعِهَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِ أَهْلِهَا ، وَيَحْلُو فِي صُدُورِهِمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ . وَأَنْشَدَ :
نَحْنُ بَنُو الدُّنْيَا خُلِقْنَا لِغَيْرِهَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ فَهْوَ شَيْءٌ مُحَبَّبُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُوَ عِنْدِي فِي نَعْتِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدُّنْيَا مَرْتَعٌ حُلْوٌ خَضِرٌ يَرْتَعُ أَبْنَاؤُهَا فِيهَا ، وَيُعْجَبُونَ بِحُسْنِهَا ، وَيَسْتَحْلُونَ الْحَيَاةَ فِيهَا ، كَمَا تُعْجَبُ الْأَنْعَامُ بِخَضِرِ الرَّبِيعِ وَمَا حَلَا مِنْ نَبَاتِهِ وَبَقْلِهِ ، وَأُلْحِقَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ لِأَنَّهُمَا جُعِلَتَا نَعْتَيْنِ لِلدُّنْيَا ، فَجَرَتَا عَلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ . قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ : الرَّتْعُ : الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ رَغَدًا فِي الرِّيفِ ، وَلَا يَكُونُ الرَّتْعُ إِلَّا فِي الْخِصْبِ وَالسَّعَةِ كَمَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَتَقُولُ : رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِ فُلَانٍ ، إِذَا انْقَلَبَ فِيهِ أَكْلًا وَشُرْبًا ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ :
ارْعَيْ فَزَارَةُ ، لَا هَنَاكَ الْمَرْتَعُ
وَقَالَ :
أَبَا جَعْفَرٍ لَمَّا تَوَلَّيْتَ ارْتَعَوْا وَقَالُوا لِدُنْيَاهُمْ أَفِيقِي فَدَرَّتِ
وَهَذَا مَعْنًى يَتَرَدَّدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمُ : النِّعْمَةُ الظَّلِيلَةُ ، وَالْعَيْشُ الْمُورِقُ ، وَالشَّبَابُ الْغَضُّ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، وَالنِّعْمَةُ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ فَتُورِقَ فَتُظِلَّ ، وَكَذَلِكَ الْعَيْشُ وَالشَّبَابُ لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ حُوَيَصٍ الْمَهْرِيُّ لِهَرْدَةَ بْنِ