عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله به من إنفاقه فى حقه، وإذا كسبوه من غير وجهه.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا يأتى الخير بالشر » يعنى المال إذا كسب من وجهه وفعل به ما أمرهم الله، ثم ضرب لهم مثلاً بقوله: « وإن مما ينبت الربيع يقتلُ أو يُلِمُّ » يعنى أن الاستكثار من المال والخروج من حد الاقتصاد فيه ضار، كما أن الاستكثار من المأكل مسقم، ضرب هذا مثلاً للحريص على جمع المال، المانع له من حقه، والربيع تنبت فيه أحرار الشعب التى تَحْلَوْلَيْهَا الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها فتهلك.
وقوله: « أو يلم » يعنى يقرب من الهلاك، يقال: ألم الشىء: قرب، والرحضاء: عرق الحمى، وقد رحض ورحضت الثوب: غسلته، وقوله: « إلا آكلة الخضر » يعنى التى تخرج مما جمعت منه ورعت ما ينفعها إخراجه من البراز والبول، فهذا لا يقتلها ما رعت، فضرب هذا - صلى الله عليه وسلم - مثلاً لمن تصدق، وأخرج من ماله ما ينفعه إخراجه مما لو أمسكه لضره إثمه كما يضر التى رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه، وبين هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى المال: « فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين وابن السبيل » ، وفى هذا تفضيل للمال.
وقال الخطابى: الخضر ليس من أحرار البقول التى تسكثر منها الماشية فتنهكه أكلا، ولكن من الجنبة التى ترعاها بعد هيج الشعب ويبسه، وأكثر ما رأيت العرب تقول: الخضر لما اخضر من الكلأ الذى لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منه سنًا سنًا، فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه، وقد ذكره طرفة، وبين أنه ينبت فى الصيف فقال:
كبَنَات المَخْرِ يَمْأَدْنَ إذا أَنْبَتَ الصيف عَسَالِيجَ الخَضِرْ
والخضر من كلأ الصيف، وليس من أحرار بقول الربيع، والنعم لا تستوبله، ولا تحبط بطونها عليه، وأما قوله: « وإن هذا المال خضرة » ، فإن العرب تسمى