مرور المؤمنين على الصراط
عندما يذهب بالكفرة والمشركين إلى دار البوار : جهنم يصلونها وبئس القرار ، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي ، وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر، فعن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ اسْمِي الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي مُحَمَّدٌ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعُودٍ مَعَهُ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ: سَلْ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ، فَقَالَ: مَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ، قَالَ: فَمَا غَدَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: مِنْ عَيْنٍ تُسَمَّى سَلْسَبِيلا، قَالَ: صَدَقْتَ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قَالَ: وَيَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ: أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ" رواه مسلم(1)النون : الحوت
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (48) سورة إبراهيم، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: « عَلَى الصِّرَاطِ ».(2)
وعَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا سَأَلَتْهُ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ فقَالَ : عَلَى الصِّرَاطِ ، قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ ؟ قَالَ : لاَ يَنْفَعُهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا : رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.(3)
يقول شارح الطحاوية : " وقوله " وَالصِّرَاطُ " - أي وَنُؤْمِنُ بِالصِّرَاطِ ، وَهُوَ جِسْرٌ على جَهَنَّمَ ، إِذَا انتهى النَّاسُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ مَكَانَ الْمَوْقِفِ إلى الظُّلْمَة التي دُونَ الصِّرَاطِ ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَة رضي الله عَنْهَا : « إِنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ : أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ؟ فَقَالَ : " هُمْ في الظُّلْمَة دُونَ الْجِسْرِ » . وفي هَذَا الْمَوْضِعِ يَفْتَرِقُ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيَتَخَلَّفُونَ عَنْهُمْ ، وَيَسْبِقُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَيُحَالُ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ .(4)
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَصَوَّرَكُمْ ، أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِلَى مَنْ كَانَ يَتَوَلَّى فِي الدُّنْيَا ؟ قَالَ : وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ حَتَّى يُمَثِّلَ لَهُمُ الشَّجَرَةَ وَالْعَوْدَ وَالْحَجَرَ ، وَيَبْقَى أَهْلُ الإِسْلامِ جُثُومًا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا لَكُمْ لاَ تَنْطَلِقُونَ كَمَا يَنْطَلِقُ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ : إِنَّ لَنَا رِبًّا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ ، قَالَ : فَيُقَالُ : فَبِمَ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلامَةٌ ، إِنْ رَأَيْنَاهُ عَرَفْنَاهُ ، قِيلَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالُوا : يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ ، قَالَ : فَيُكْشَفُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ سَاقٍ ، قَالَ : فَيَخِرُّونَ مَنْ كَانَ لِظَهْرِهِ طَبَقًا سَاجِدًا ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ، ثُمَّ يُؤْمَرُونَ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَ : فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ فَوْقَ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى دُونَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً ، وَيُطْفِئُ مَرَّةً ، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَمُهُ ، وَإِذَا طُفِئَ قَامَ فَيَمُرُّ وَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضُ مَزِلَّةٍ ، فَيُقَالُ : انْجُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ، وَيَرْمُلُ رَمَلا ، فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ ، قَالَ : يَجُرُّ يَدًا وَيُعَلِّقُ يَدًا وَيَجُرُّ رِجْلا وَيُعَلِّقُ رِجْلا وَتَضْرِبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ ، قَالَ : فَيَخْلَصُوا ، فَإِذَا خَلَصُوا قَالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْكِ بَعْدَ الَّذِي أَرَانَاكِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا ، قَالَ مَسْرُوقٌ : فَمَا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ ضَحِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَقَدْ حَدَّثْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِرَارًا كُلَّمَا بَلَغْتَ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ضَحِكْتَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُهُ مِرَارًا ، فَمَا بَلَغَ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ وَيَبْدُو آخِرُ ضِرْسٍ مِنْ أَضْرَاسِهِ لِقَوْلِ الإِنْسَانِ : أَتَهْزَأُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، وَلَكِنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ فَسَلُونِي "(5)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ، وَصَوَّرَكُمْ ، وَرَزَقَكُمْ ، أَنْ يُوَالِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا كَانَ يَعْبُدُ فِي الدُّنْيَا وَيَتَوَلَّى ، أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنْ رَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَيَنْطَلِقُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ يَتَوَلَّى فِي الدُّنْيَا ، وَيُمَثَّلُ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا ، وَقَالَ : يُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى ، شَيْطَانُ عِيسَى ، وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا ، شَيْطَانُ عُزَيْرٍ ، حَتَّى يُمَثَّلَ لَهُمُ الشَّجَرُ ، وَالْعُودُ ، وَالْحَجَرُ ، وَيَبْقَى أَهْلُ الإِسْلامِ جُثُومًا ، فَيَقُولُ لَهُمْ : مَا لَكُمْ لاَ تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ : إِنَّ لَنَا رَبًّا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ ، قَالَ : فَيَقُولُ : فَبِمَ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلامَةٌ ، إِنْ رَأَيْنَاهُ عَرَفْنَاهُ ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالُوا : السَّاقُ ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ، قَالَ : فَيَحْنِي كُلُّ مَنْ كَانَ لِظَهْرٍ طَبَّقَ سَاجِدًا ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي الْبَقَرِ ، يُرِيدُونَ السُّجُودَ ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ ، قَالَ : ثُمَّ يُؤْمَرُونَ ، فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ ، فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرٍ أَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ دُونَ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى دُونَ ذَلِكَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ ، يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ ، يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفِئُ مَرَّةً ، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ ، وَإِذَا طُفِئَ قَامَ ، فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ، قَالَ : فَيُقَالُ : انْجُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّحْلِ ، وَيَرْمُلُ رَمَلا ، فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ ، يَجُرُّ يَدًا وَيُعَلِّقُ يَدًا ، وَيَجُرُّ رِجْلا وَيُعَلِّقُ رِجْلا ، فَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ ، قَالَ : فَيَخْلُصُونَ ، فَإِذَا خَلَصُوا ، قَالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْكَ بَعْدَ إِذْ رَأَيْنَاكَ ، فَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا ، فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى ضَحْضَاحٍ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُوَ مُصْفَقٌ مَنْزِلا فِي أَدْنَى الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا أَعْطِنَا ذَلِكَ الْمَنْزِلَ ، قَالَ : فَيَقُولُ لَهُمْ : تَسْأَلُونِي الْجَنَّةَ وَهُوَ مُصْفَقٌ وَقَدْ أَنْجَيْتُكُمْ مِنَ النَّارِ ، هَذَا الْبَابُ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ، فَيَقُولُ لَهُمْ : لَعَلَّكُمْ إِنْ أُعْطِيتُمُوهُ أَنْ تَسْأَلُونِي غَيْرَهُ ، قَالَ : فَيَقُولُ : لاَ وَعِزَّتِكَ ، لاَ نَسْأَلُكَ غَيْرَهُ ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ ، قَالَ : فَيُعْطَوْهُ ، فَيُرْفَعُ لَهُمْ أَمَامَ ذَلِكَ مَنْزِلٌ آخَرُ ، كَأَنَّ الَّذِي أُعْطَوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حُلْمٌ عِنْدَ الَّذِي رَأَوْهُ ، قَالَ : فَيَقُولُ لَهُمْ : لَعَلَّكُمْ إِنْ أُعْطِيتُمُوهُ أَنْ تَسْأَلُونِي غَيْرَهُ ، فَيَقُولُونَ : لاَ وَعِزَّتِكَ ، لاَ نَسْأَلُكَ غَيْرَهُ ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ أَحْسَنُ مِنْهُ ؟ فَيُعْطَوْهُ ، ثُمَّ يَسْكُتُونَ ، قَالَ : فَيُقَالُ لَهُمْ ، مَا لَكُمْ لاَ تَسْأَلُونِي ؟ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا قَدْ سَأَلْنَا حَتَّى اسْتَحْيَيْنَا ، قَالَ : فَيَقُولُ لَهُمْ : أَلَمْ تَرْضَوْا إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتُهَا إِلَى يَوْمِ أَفْنَيْتُهَا ، وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهَا ، قَالَ : قَالَ مَسْرُوقٌ : فَمَا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا الْمَكَانَ مِنَ الْحَدِيثِ ، إِلاَّ ضَحِكَ ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَقَدْ حُدِّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِرَارًا ، فَمَا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ ضَحِكْتُ ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِرَارًا ، فَمَا بَلَغَ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلاَّ ضَحِكَ ، حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ ، وَيَبْدُو آخِرُ ضِرْسٍ مِنْ أَضْرَاسِهِ ، لِقَوْلِ الإِنْسَانِ : أَتَهْزَأُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لاَ ، وَلَكِنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ ، فَسَلُونِي ، قَالَ : فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا أَلْحِقْنَا بِالنَّاسِ ، فَيَقُولُ لَهُمُ : الْحَقُوا بِالنَّاسِ ، قَالَ : فَيَنْطَلِقُونَ يَرْمُلُونَ فِي الْجَنَّةِ ، حَتَّى يَبْدُوَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ ، قَالَ : فَيَخِرُّ سَاجِدًا ، قَالَ : فَيُقَالُ لَهُ : ارْفَعْ رَأْسَكَ ، فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ ، فَيُقَالُ : إِنَّمَا هَذَا مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِكَ ، قَالَ : فَيَنْطَلِقُ ، فَيَسْتَقْبِلُهُ رَجُلٌ ، فَيَقُولُ : أَنْتَ مَلَكٌ ؟ فَيُقَالُ : إِنَّمَا ذَلِكَ قَهْرَمَانٌ مِنْ قَهَارِمَتِكَ ، عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِكَ ، قَالَ : فَيَأْتِيهِ ، فَيَقُولُ : إِنَّمَا أَنَا قَهْرَمَانٌ مِنْ قَهَارِمَتِكَ عَلَى هَذَا الْقَصْرِ تَحْتَ يَدَيْ أَلْفِ قَهْرَمَانٍ ، كُلُّهُمْ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَيَنْطَلِقُ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى يُفْتَحَ الْقَصْرُ ، وَهُوَ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ ، سَقَايِفُهَا وَأَبْوَابُهَا وَأَغْلاقُهَا وَمَفَاتِيحُهَا مِنْهَا ، فَيُفْتَحُ لَهُ الْقَصْرُ ، فَيَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَةٌ بِحَمْرَاءَ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، فِيهَا سِتُّونَ بَابًا ، كُلُّ بَابٍ يُفْضِي إِلَى جَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ ، عَلَى غَيْرِ لَوْنِ صَاحِبَتُهَا ، فِي كُلِّ جَوْهَرَةٍ سُرَرٌ وَأَزْوَاجٌ وَتَصَارِيفُ ، أَوْ قَالَ : وَوَصَائِفُ ، قَالَ : فَيَدْخُلُ ، فَإِذَا هُوَ بَحَوْرَاءَ عَيْنَاءَ ، عَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةٌ ، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ حُلَلِهَا ، كَبِدُهَا مِرْآتُهُ ، وَكَبِدُهُ مِرْآتُهَا ، إِذَا أَعْرَضَ عَنْهَا إِعْرَاضَةً ، ازْدَادَتْ فِي عَيْنِهِ سَبْعِينَ ضِعْفًا عَمَّا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَيَقُولُ : لَقَدِ ازْدَدْتِ فِي عَيْنِي سَبْعِينَ ضَعْفًا ، وَتَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَيُشْرِفُ بِبَصَرِهِ عَلَى مِلْكِهِ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ"(6)
(1) - صحيح مسلم (742 ) ومسند أبي عوانة(657 )
(2) - صحيح مسلم (7234 )
(3) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 40)(331) صحيح
(4) - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 3 / ص 23) ت أحمد شاكر
(5) - المستدرك للحاكم (3424) صحيح
(6) - المستدرك للحاكم(8751) صحيح