تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تفجير البحار وتسجيرها

أما البحار التي تغطي الجزء الأعظم من هذه الأرض وتعيش في باطنها عوالم هائلة من الأحياء ، فإنها تفجر في ذلك اليوم ، وقد علمنا في هذا العصر الهول العظيم الذي يحدثه انفجار الذرات الصغيرة التي هي أصغر من ذرات الماء فكيف إذا فجرت ذرات المياه في هذه البحار العظيمة ، عند ذلك تسجر البحار ، وتشتعل نارا ، ولك أن تتصور هذه البحار العظيمة الهائلة وقد أصبحت مادة قابلة للاشتعال ، كيف يكون منظرها ، اللهب يرتفع منها إلى أجواء الفضاء ، قال تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (3) سورة الانفطار.

وتفجير البحار يحتمل أن يكون هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على الأنهار . كما يحتمل أن يكون هو تفجير مائها إلى عنصريه : الأكسوجين والهيدروجين؛ فتتحول مياهها إلى هذين الغازين كما كانت قبل أن يأذن الله بتجمعهما وتكوين البحار منهما . كذلك يحتمل أن يكون هو تفجير ذرات هذين الغازين كما يقع في تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية اليوم . . فيكون هذا التفجير من الضخامة والهول بحيث تعتبر هذه القنابل الحاضرة المروعة لعب أطفال ساذجة! . . أو أن يكون بهيئة أخرى غير ما يعرف البشر على كل حال . . إنما هو الهول الذي لم تعهده أعصاب البشر في حال من الأحوال!(1)

إن هذا الإيحاء يتجه إلى خلع النفس من كل ما تركن إليه في هذا الوجود ، إلا الله سبحانه خالق هذا الوجود ، الباقي بعد أن يفنى كل موجود . والاتجاه بالقلب إلى الحقيقة الوحيدة الثابتة الدائمة التي لا تحول ولا تزول ، ليجد عندها الأمان والاستقرار ، في مواجهة الانقلاب والاضطراب والزلزلة والانهيار ، في كل ما كان يعهده ثابتاً مستقراً منتظماً انتظاماً يوحي بالخلود! ولا خلود إلا للخالق المعبود!(2)

وقال تعالى : ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (6) سورة التكوير

وَإِذَا البِحَارُ انْدَلَعَتْ فِيهَا النِّيرَانُ فَصَارَتْ نَاراً تَضْطَرِمُ .وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بفِعْلِ زِلْزَالٍ وَتَشَقُّقِ فِي قِيعَانِ البِحَارِ فَيَتَسَرَّبُ مَاءُ البَحْرِ وَمَعَهُ المَوَاد القَابِلَةُ لِلأشْتِعَالِ ، المَوْجُودَةُ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ إِلَى حَيْثُ تُوجَدُ السَّوَائِلُ المُلْتَهِبَةُ دَاخِلَ الأَرْضِ ، فَتَشْتَعِلُ وَتَظْهَرُ النِّيرَانُ عَلَى سَطْحِ البِحَارِ(3).

وأما تسجير البحار فقد يكون معناه ملؤها بالمياه . وإما أن تجيئها هذه المياه من فيضانات كالتي يقال إنها صاحبت مولد الأرض وبرودتها ، وإما بالزلازل والبراكين التي تزيل الحواجز بين البحار فيتدفق بعضها في بعض . . وإما أن يكون معناه التهابها وانفجارها كما قال في موضع آخر : ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ فتفجير عناصرها وانفصال الأيدروجين عن الأكسوجين فيها . أو تفجير ذراتها على نحو ما يقع في تفجير الذرة ، وهو أشد هولاً . أو على نحو آخر . وحين يقع هذا فإن نيراناً هائلة لا يتصور مداها تنطلق من البحار . فإن تفجير قدر محدود من الذرات في القنبلة الذرية أو الأيدروجينية يحدث هذا الهول الذي عرفته الدنيا؛ فإذا انفجرت ذرات البحار على هذا النحو أو نحو آخر ، فإن الإدراك البشري يعجز عن تصور هذا الهول؛ وتصور جهنم الهائلة التي تنطلق من هذه البحار الواسعة!

هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهود ، والثورة الشاملة لكل موجود . الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية ، والوحوش النافرة والأنعام الأليفة ، ونفوس البشر ، وأوضاع الأمور . حيث ينكشف كل مستور ، ويعلم كل مجهول؛ وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب . وكل شيء من حولها عاصف؛ وكل شيء من حولها مقلوب!

وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعهده .

الكون المنسق الجميل ، الموزون الحركة ، المضبوط النسبة ، المتين الصنعة ، المبني بأيد وإحكام . أن هذا الكون سينفرط عقد نظامه ، وتتناثر أجزاؤه ، وتذهب عنه صفاته هذه التي يقوم بها؛ وينتهي إلى أجله المقدر ، حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون ومن الحياة ومن الحقائق غير ما عهدت نهائياً في هذا الكون المعهود .(4)

ـــــــــــــ

(1) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 476)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 475)

(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 5683)

(4) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 469)

الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِ · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِص ٢٢