القاعدة الثالثة
اطلاع العباد على ما قدموه من أعمال
من إعذار الله لخلقه ، وعدله في عباده أن يطلعهم على ما قدموه من صالح أعمالهم وطالحها ، حتى يحكموا على أنفسهم ، فلا يكون لهم بعد ذلك عذر ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ (30) سورة آل عمران .
َيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيَامَةِ ، وَهُوَ يَوْمٌ تَجِدُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا حَاضِراً أَمَامَهَا ، فَمَا رَأَتْهُ مِنْ أَعْمَالِهَا حَسَناً سُرَّتْ بِهِ وَفَرِحَتْ ، وَمَا رَأتْهُ قَبِيحاً تَودُّ لَوْ أنّها تَبَرَّأتْ مِنْهُ ، وَأنْ يَكُون بَيْنَها وَبَيْنَهُ أمَدٌ بَعِيدٌ ، وَيُحَذِّرُ اللهُ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ عِقَابِهِ ، لأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ يُحِبُّ أنْ يَسْتَقِيمُوا عَلَى صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ ، وَدِينِهِ القَوِيمِ .
وقال تعالى (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) [الانفطار/4، 5])
وَإِذَا تَحَرَّكَتِ الأَرْضُ بِالقُبُورِ فَتَبَعْثَرتْ ، وَقُلِبَ تُرَابُهَا ، وَخَرَجَ الأَمْوَاتُ مِنْهَا .إِذَا حَصَلَ كُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ مَوْعِدُ قِيَامِ السَّاعَةِ قَدْ حَانَ ، وَحَانَ البَعْثُ وَالحِسَابُ . وَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ مِنْ عَمَلٍ وَلَمْ تُقَصِّرْ فِيهِ ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ عَمَلٍ وَتَكَاسَلَتْ عَنْ أَدَائِهِ .
وقال تعالى : ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (49) سورة الكهف.
وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ فَرْدٍ كِتَابُ أَعْمَالِهِ ، وَفِيهِ جَمِيعُ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاتِهِ ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ ، وَمِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ . وَيَرَى المُجْرِمُونَ أَعْمَالَهُمُ القَبِيحَةُ مُحْصَاةً بِتَمَامِهَا ، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيءٌ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ العَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ ، فَيُشْفِقُونَ مِمَّا سَيَحُلُّ بِهِمْ ، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ : يَا وَيْلَتَنَا ، وَيَا حَسْرَتَنَا ، عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا ، مَا لِهَذا الكِتَابِ لاَ يَتْرُكُ صَغِيراً مِنْ أَعْمَالِنَا وَذُنُوبِنَا ، وَلاَ كَبِيراً إِلاَّ أَحْصَاهُ وَوَعَاهُ؟ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ حَاضِراً لِيُحَاسَبُوا عَلَيْهِ ، وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ .وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ العِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِالعَدْلِ التَّامِّ .
واطلاع العباد على ما قدموه يكون بإعطائهم صحائف أعمالهم. وقراءتهم لها كما قال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) [الإسراء/13، 14])
وَالإِنْسَانُ مُلْتَزِمٌا بِعَمَلِهِ ، وَمَسْؤُولٌ عَنْهُ . وَهَذا العَمَلُ مُلْتَصِقٌ بِالإِنْسَانِ ، وَمُلاَزِمٌ لَهُ مُلاَزَمَةَ القِلاَدَةِ لِلعُنُقِ ، لاَ يَنْفَكُ عَنْهُ بِحَالٍ ، وَسَيُؤَاخِذُهُ اللهُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيُخْرِجُ لَهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ صَحِيفَةَ أَعْمَالِهِ كُلِّهَا ، لاَ يَغِيبُ عَنْهَا عَمَلٌ صَغِيرٌ وَلاَ كَبِيرٌ ، لِيُحَاسَبَ عَلَى هذِهِ الأَعْمَالِ جَمِيعِهَا .
وَطَائِرُ الإِنْسَانِ هُنَا عَمَلُهُ الذِي سَبَّبَ الخَيْرَ وَالشَّرَّ ، وَكَانَتِ العَرَبُ تَزْجُرُ الطَّيْرَ ، فَإِذَا طَارَ الطَّائِرُ يَمِيناً تَيَمَّنُوا وَتَفَاءَلُوا بِالخَيْرِ ، وَإِنْ طَارَ شِمالاً تَشَاءَمُوا وَتَوَجَّسُوا خِيْفَةً مِنَ الشَّرِّ . وَالعَرَبِ تَضْرِبُ مَثَلاً لِلشَّيءِ الذِي يُلاَزِمُ الإِنْسَانَ وَلاَ يُفَارِقُهُ أَبَداً ، فَتَقُولُ : أَلْزَمْتُهُ إِيَّاهُ فِي عُنُقِهِ .
وَيُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ : اقْرَأْ كِتَابَكَ الذِي يَحْوِي أَعْمَالَكَ كُلَّهَا ، صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ، يَكْفِيكَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ المُحَاسِبَ عَلَى نَفْسِكَ ، وَقَدْ عَدَلَ مَعَكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيباً عَلَى نَفْسِكَ .
ـــــــــــــ