تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تكوير الشمس وتناثر النجوم

أما الشمس التي تغمر هذه الحياة بالضياء ، فإنها تجمع وتكور ، ويذهب ضوؤها كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (1) سورة التكوير ، والتكوير عند العرب : جمع الشيء بعضه على بعض ، ومنه تكوير العمامة ، وجمع الثياب بعضها على بعض ، وإذا جمع بعض الشمس على بعض ، ذهب ضوؤها ورمي بها .

إن تكوير الشمس قد يعني برودتها . وانطفاء شعلتها ، وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى ألوف الأميال حولها في الفضاء . كما يتبدى هذا من المراصد في وقت الكسوف . واستحالتها من الغازية المنطلقة بتأثير الحرارة الشديدة التي تبلغ 12000 درجة ، والتي تحول جميع المواد التي تتكون منها الشمس إلى غازات منطلقة ملتهبة . . استحالتها من هذه الحالة إلى حالة تجمد كقشرة الأرض ، وتكور لا ألسنة له ولا امتداد!

قد يكون هذا ، وقد يكون غيره . . أما كيف يقع والعوامل التي تسبب وقوعه فعلم ذلك عند الله .(1)

أما القمر الذي نراه في أول الشهر هلالا ثم يتكامل ويتنامى حتى يصبح بدرا جميلا بديعا ، فإنه يخسف به ويذهب ضوؤه (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) [القيامة/7-12])

ذَكَرَ تَعَالَى ثَلاَثَ عَلاَمَاتٍ لِيَوْمِ القِيَامَةِ : فَإِذَا تَحَيَّرَ البَصَرُ فَزَعاً ، وَدُهِشَ فَلَمْ يَعُدْ يَطْرِفُ مِنْ شِدَّةِ الهَوْلِ والفَزَعِ مِمَّا يُشَاهِدُ .وَالعَلاَمَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ : إِذَا خَسَفَ القَمَرُ وَذَهَبَ ضَوْؤُهُ . وَالعَلاَمَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ إِذَ اجْتَمَعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ فِي أُفُقٍ وَاحِدٍ ، وَطَلَعَا مِنَ المَغْرِبِ أَسْوَدْينِ ، لاَ نُورَ فِيهِمَا .

فَإِذَا ظَهَرَتْ هَذِهِ العَلاَمَاتُ الثَّلاَثُ فَإِنَّ القِيَامَةَ تَكُونُ قَدْ قَامَتْ ، وَيَقُولُ الإِنْسَانُ حَينَئِذٍ ، أَيْنَ المَفَرُّ مِنْ جَهَنَّمَ؟ وَهَلْ مِنْهَا مَهْرَبٌ وَمَلْجَأٌ؟

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى تَسَاؤُلِ الإِنْسَانِ عَنِ المَهْرَبِ وَالمَلْجَأِ مُجِيبَاً : كَلاَّ لاَ مَهْرَبَ وَلاَ مَلْجَأَ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ اليَومِ ، وَلاَ شَيء يَعْصِمُ الإِنْسَانَ مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى .

وَإِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ المَرْجِعُ وَالمَصِيرُ ، فَإِمَّا إِلَى جَنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى نَارٍ .

فالبصر يخطف ويتقلب سريعاً سريعاً تقلب البرق وخطفه . والقمر يخسف ويطمس نوره . والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق . ويختل نظامهما الفلكي المعهود ، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق . . وفي وسط هذا الذعر والانقلاب ، يتساءل الإنسان المرعوب : ﴿ أين المفر؟ ﴾ ويبدو في سؤاله الارتياع والفزع ، وكأنما ينظر في كل اتجاه ، فإذا هو مسدود دونه ، مأخوذ عليه!

ولا ملجأ ولا وقاية ، ولا مفر من قهر الله وأخذه ، والرجعة إليه ، والمستقر عنده؛ ولا مستقر غيره : ﴿ كلا! لا وزر . إلى ربك يومئذ المستقر ﴾ . .

وما كان يرغب فيه الإنسان من المضي في الفجور بلا حساب ولا جزاء ، لن يكون يومئذ ، بل سيكون كل ما كسبه محسوباً ، وسيذكر به إن كان نسيه ، ويؤخذ به بعد أن يذكره ويراه حاضراً(2)

أما تلك النجوم المتناثرة في القبة السماوية الزرقاء ، فإن عقدها ينفرط فتتناثر وتنكدر ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ (2) سورة الانفطار

وقال تعالى : ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ (2) سورة التكوير ، والانكدار : الانتثار ، وأصله في لغة العرب : الانصباب

وَإِذَا تَنَاثَرَتِ النُّجُومُ ، وَذَهَبَ لأْلاؤُهَا وَانْطَمَسَ نُورُهَا .

وانكدار النجوم قد يكون معناه انتثارها من هذا النظام الذي يربطها ، وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها . . والله أعلم ما هي النجوم التي يصيبها هذا الحادث . وهل هي طائفة من النجوم القريبة منا . . مجموعتنا الشمسية مثلاً . أو مجرتنا هذه التي تبلغ مئات الملايين من النجوم . . أم هي النجوم جميعها والتي لا يعلم عددها ومواضعها إلا الله . فوراء ما نرى منها بمراصدنا مجرات وفضاءات لها لا نعرف لها عدداً ولا نهاية .

فهناك نجوم سيصيبها الانكدار كما يقرر هذا الخبر الصادق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله .(3)

ـــــــــــــ

(1) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 468)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 404)

(3) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 468)

الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِ · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِص ٢٤