حشر الخلائق جميعا إلى الموقف
سمَّى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بيوم الجمع ، لأن الله يجمع العباد فيه جميعا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ (103) سورة هود ، ويستوي في هذا الجمع الأولون والآخرون (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) [الواقعة/49، 50]) .
وقدرة الله تعالى تحيط بالعباد فالله لا يعجزه شيء ، وحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم ، إن هلكوا في أجواء الفضاء ، أو غاروا في أعماق الأرض ، وإن أكلتهم الطيور الجارحة أو الحيوانات المفترسة ، أو أسماك البحار أو غيبوا في قبورهم في الأرض ، كل ذلك عند الله سواء ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (148) سورة البقرة .
وكما أن قدرة الله محيطة بعباده تأتي بهم حيثما كانوا ، فكذلك علمه محيط بهم ، فلا ينسى منهم أحدا ، ولا يضل منهم أحد ولا يشذ منهم أحد (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) [مريم/93-95] ).
لأَنَّ جَمِيعَ الخَلاَئِقِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ هُمْ عَبِيدٌ للهِ وَلأَنَّهُ لاَ كِفَاءَ لَهُ ، وَلاَ مِثَالَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ .وَلَقْدَ أَحْصَى اللهُ تَعَالَى عَدَدَ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ ، مُنْذُ بِدْءِ الخَلِيقَةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، وَعَرَفَ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ ، وَصِغَارَهُمْ وَكِبَارَهُمْ ، وَأَحْصَى أَعْمَالَهُمْ وَأَنْفَاسَهُمْ وَأَقْوَالَهُمْ ، وَهُمْ جَمِيعاً تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ .
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلاَئِقِ سَيَأْتِي اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَحْدَهُ ، لاَ نَاصِرَ وَلاَ مُجِيرَ لَهُ ، فَيَحْكُمُ اللهُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ ، وَهُوَ العَادِلُ الَّذِي لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِثْقَالَ ذَرَّةٍ .
وقال تعالى:﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (47) سورة الكهف
وَاذْكُرْ ، أَيُّهَا الرَّسُولُ ، مَا يَكُونُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ ، إِذْ يَقْتَلِعُ اللهُ تَعَالَى الجِبَالَ مِنْ أَمَاكِنِهَا ، وَيُسَيِّرُهَا فِي الجَوِّ كَالسَّحَابِ ، وَيَجْعَلُهَا هَبَاءً مَنْثُوراً ، فَتَذْهَبُ الجِبَالُ ، وَتَتَسَاوَى المِهَادُ ، وَتُصْبِحُ الأَرْضُ قَاعاً صَفْصَفاً ، لاَ تَرَى فِيهِ عِوَجاً وَلاَ أَمَتاً ، وَلاَ أَدِيماً ، وَلاَ جَبَلاً . وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ تَظْهَرُ الأَرْضُ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ وَاحِدٌ ، وَلاَ بِنَاءٌ ، وَلاَ شَجَرٌ ، وَلاَ مَكَانٌ يُوَارِي أَحَداً ، بَلْ يَكُونُ الخَلقُ كُلُّهُمْ ضَاحُونَ لِرَبِّهِمْ ، وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ ، وَيَحْشُرُ اللهُ تَعَالَى الخَلاَئِقَ كُلَّهُمْ فَيَجْمَعُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ، وَلاَ يَتْرُكُ مِنْهُمْ صَغِيراً وَلاَ كَبِيراً .
وهذه النصوص بعمومها تدلُّ على حشر جميع الخلائق الإنس والجن والملائكة ، ولا حرج على من فقه منها أنَّ الحشر يتناول البهائم أيضا .
وقد اختلف أهل العلم في حشر البهائم(1):
قال ابن تيمية : " وَأَمَّا الْبَهَائِمُ فَجَمِيعُهَا يَحْشُرُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . قَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (38) سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ (5) سورة التكوير ,وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ (29) سورة الشورى، وَحَرْفُ إذَا إنَّمَا يَكُونُ لِمَا يَأْتِي لَا مَحَالَةَ . وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْشُرُ الْبَهَائِمَ وَيَقْتَصُّ لِبَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ ثُمَّ يَقُولُ لَهَا : كُونِي تُرَابًا . فَتَصِيرُ تُرَابًا . فَيَقُولُ الْكَافِرُ حِينَئِذٍ ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ (40) سورة النبأ ،وَمَنْ قَالَ إنَّهَا لَا تَحْيَا فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ أَقْبَحَ خَطَأٍ ؛ بَلْ هُوَ ضَالٌّ أَوْ كَافِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ."(2)
وقال ابن حجر المكي: "واختلفوا في إعادة الحيوان والأصح إعادته لقوله تعالى : ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) [ التكوير : 5 ] ولحديث الصحيحين في الاقتصاص للحيوان بعضه من بعض ، وقيل لا يعاد شيء منها ، وحشرت معناه ماتت ، والاقتصاص كناية عن العدل وهو خلاف ظاهر الآية والحديث فمن ثم كان الأصح الأول .(3)
وقال القرطبي : قوله تعالى : ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي للجزاء ، كما سبق في خبر أبي هريرة ، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" . ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة ؛ وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم ؛ وروي عن ابن عباس ؛ قال ابن عباس في رواية : حشر الدواب والطير موتها ؛ وقال الضحاك ؛ والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح ؛ وفي التنزيل ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عنه : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ؛ فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : ﴿كُونِي تُرَاباً﴾ فذلك قوله تعالى : ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ . وقال عطاء : فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن : الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم ، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف ؛ فيقول الله تعالى لهن : "كن ترابا" فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون تراب. وقالت جماعة : هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج ؛ وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه ، وأنه لا محيص له عنه ؛ وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال : حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء ، وللحجر لما ركب على الحجر ، وللعود لما خدش العود ؛ قالوا : فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل ، لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها ، ولم يصر إليه أحد من العقلاء ، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء ؛ قالوا : ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا.
قلت : الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة ، وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به ؛ وروي عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَاتَيْنِ يَنْتَطِحَانِ فَقَالَ لِي : يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي فِيمَا يَنْتَطِحَانِ ؟ قُلْتُ : لاَ ، قَالَ : وَلَكِنْ رَبُّكَ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ(4). وهذا نص ، وقد زدناه بيانا في كتاب "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة". والله أعلم(5).
ـــــــــــــ
(1) - انظر : فتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 366) مصير الحيوانات وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 311) سؤال رقم 10673- القصاص بين البهائم يوم القيامة وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 26 / ص 373) س 3 : هل تحاسب الحيوانات يوم القيامة ، وهل يجوز تربية بعضها
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 4 / ص 248)
(3) - الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي - (ج 1 / ص 89)
(4) - مسند الطيالسي(482) حسن لغيره
(5) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (ج 6 / ص 421)