تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَلْقَى رَجُلٌ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ لَهُ : يَا أَبَتِ ، أَيُّ ابْنٍ كُنْتُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : خَيْرُ ابْنٍ ، فَيَقُولُ : هَلْ أَنْتَ مُطِيعِيَّ الْيَوْمَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيَقُولُ : خُذْ بِأُزْرَتِي ، فَيَأْخُذُ بِأُزْرَتِهِ ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ ، فَيَقُولُ : يَا عَبْدِي ، ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، وَأَبِي مَعِي ، فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي ، قَالَ : فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضَبُعًا ، فَيُعْرِضُ عَنْهُ ، فَيَهْوِي فِي النَّارِ ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفِهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا عَبْدِي ، أَبُوكَ هُوَ ؟ فَيَقُولُ : لاَ وَعِزَّتِكَ"(1)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"يَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَيُّ ابْنٍ كُنْتُ لَكَ؟ قَالَ: خَيْرُ ابْنٍ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُطِيعِيَّ الْيَوْمَ بشئٍ آمُرُكَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: خُذْ بِيَدِي، فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَأَبِي مَعِي ؛ فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلا تُخْزِيَنِي. فَيُعْرِضُ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيُقْبِلُ عَلَى الْخَلْقِ يَعْرِضُهُمْ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَأَبِي مَعِي ؛ فَإِنَّكَ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تُخْزِيَنِي، فَيُعْرِضُ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيُقْبِلُ عَلَى الْخَلْقِ فَيَعْرِضُهُمْ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَأَبِي مَعِي، فَإِنَّكَ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تُخْزِيَنِي، فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضِبْعَانًا، أَبْجَرَ أَوْ أَمْجَرَ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَيَأْخُذُ بَأَرْنَبَتِهِ، فَيَقُولُ: أَبُوكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: لا، وَعِزَّتِكَ، مَا هَذَا أَبِي". قَالَ مُحَمَّدُ بن سِيرِينَ: فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ - صلى الله عليه وسلم - "(2)

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَأْخُذُ رَجُلٌ بِيَدِ أَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، فَيُنَادَى : أَلاَ إِنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا مُشْرِكٌ ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، أَبِي ، قَالَ : فَيُحَوَّلُ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ، وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ ، فَيَتْرُكُهُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ : وَلَمْ يَزِدْهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ.(3)

وَالضِّبْعَان لُغَة فِي الضَّبْع . وَقَوْله : " مُتَلَطِّخ " قَالَ بَعْض الشُّرَّاح : أَيْ فِي رَجِيع أَوْ دَم أَوْ طِين . وَقَدْ عَيَّنَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمُرَاد وَأَنَّهُ الِاحْتِمَال الْأَوَّل حَيْثُ قَالَ : فَيَتَمَرَّغ فِي نَتْنه .

قِيلَ : الْحِكْمَة فِي مَسْخه لِتَنْفِرَ نَفْسُ إِبْرَاهِيم مِنْهُ وَلِئَلَّا يَبْقَى فِي النَّار عَلَى صُورَته فَيَكُون فِيهِ غَضَاضَة عَلَى إِبْرَاهِيم .

وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي مَسْخه ضَبْعًا أَنَّ الضَّبْع مِنْ أَحْمَق الْحَيَوَان ، وَآزَرَ كَانَ مِنْ أَحْمَق الْبَشَر ، لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَلَده مِنَ الْآيَات الْبَيِّنَات أَصَرَّ عَلَى الْكُفْر حَتَّى مَاتَ . وَاقْتَصَرَ فِي مَسْخه عَلَى هَذَا الْحَيَوَان لِأَنَّهُ وَسَط فِي التَّشْوِيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِير وَإِلَى مَا فَوْقَهُ كَالْأَسَدِ مَثَلًا ، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيم عليه السلامُ بَالَغَ فِي الْخُضُوع لَهُ وَخَفْض الْجَنَاح فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْر فَعُومِلَ بِصِفَةِ الذُّلّ يَوْمَ الْقِيَامَة ، وَلِأَنَّ لِلضَّبْعِ عِوَجًا فَأُشِيرَ إِلَى أَنَّ آزَرَ لَمْ يَسْتَقِمْ فَيُؤْمِن بَلِ اِسْتَمَرَّ عَلَى عِوَجه فِي الدِّين .

وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَصْله وَطَعَنَ فِي صِحَّته فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ : هَذَا خَبَر فِي صِحَّته نَظَر مِنْ جِهَة أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلِمَ أَنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد ؛ فَكَيْف يَجْعَل مَا صَارَ لِأَبِيهِ خِزْيًا مَعَ عِلْمه بِذَلِكَ ؟ .

وَقَالَ غَيْره : هَذَا الْحَدِيث مُخَالِف لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ (114) سورة التوبة اِنْتَهَى .

وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْل التَّفْسِير اِخْتَلَفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي تَبَرَّأَ فِيهِ إِبْرَاهِيم مِنْ أَبِيهِ ، فَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرَ مُشْرِكًا ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَإِسْنَاده صَحِيح . وَفِي رِوَايَة : " فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَسْتَغْفِر لَهُ " وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه قَالَ : " اِسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ " وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُجَاهِد وَقَتَادَةَ وَعَمْرو بْن دِينَار نَحْو ذَلِكَ ، وَقِيلَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة لَمَّا يَئِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُنْذِر الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا ، وَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : إِنَّ إِبْرَاهِيم يَقُول يَوْمَ الْقِيَامَة : رَبِّ وَالِدِي ، رَبِّ وَالِدِي . فَإِذَا كَانَ الثَّالِثَة أُخِذَ بِيَدِهِ فَيَلْتَفِت إِلَيْهِ وَهُوَ ضِبْعَان فَيَتَبَرَّأ مِنْهُ . وَمِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : يَقُول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ : إِنِّي كُنْت آمُرك فِي الدُّنْيَا وَتَعْصِينِي ، وَلَسْت تَارِكك الْيَوْمَ فَخُذْ بِحَقْوِي ، فَيَأْخُذ بِضَبْعَيْهِ فَيُمْسَخ ضَبْعًا ، فَإِذَا رَآهُ إِبْرَاهِيم مُسِخَ تَبَرَّأَ مِنْهُ . وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَار لَهُ ، لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَة أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَة وَالرِّقَّة فَسَأَلَ فِيهِ ، فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ يَئِسَ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ تَبَرُّءًا أَبَدِيًّا، وَقِيلَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَتَيَقَّن مَوْته عَلَى الْكُفْر بِجَوَازِ أَنْ يَكُون آمَنَ فِي نَفْسه وَلَمْ يَطَّلِع إِبْرَاهِيم عَلَى ذَلِكَ ، وَتَكُون تَبْرِئَته مِنْهُ حِينَئِذٍ بَعْدَ الْحَال الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث .

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت : إِذَا أَدْخَلَ اللَّه أَبَاهُ النَّار فَقَدْ أَخْزَاهُ لِقَوْلِهِ : ( إِنَّك مَنْ تُدْخِل النَّار فَقَدْ أَخْزَيْته ) وَخِزْي الْوَالِد خِزْي الْوَلَد فَيَلْزَم الْخُلْف فِي الْوَعْد وَهُوَ مُحَال ، وَلَوْ أَنَّهُ يَدْخُل النَّار لَزِمَ الْخُلْف فِي الْوَعِيد وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ الْجَنَّة عَلَى الْكَافِرِينَ ) وَالْجَوَاب أَنَّهُ إِذَا مُسِخَ فِي صُورَة ضَبْع وَأُلْقِيَ فِي النَّار لَمْ تَبْقَ الصُّورَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْخِزْي ، فَهُوَ عَمَل بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد .

وَجَوَاب آخَر : وَهُوَ أَنَّ الْوَعْد كَانَ مَشْرُوطًا بِالْإِيمَانِ ، وَإِنَّمَا اِسْتَغْفَرَ لَهُ وَفَاءً بِمَا وَعَدَهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ . قُلْت : وَمَا قَدَّمْته يُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمُرَاد مَعَ السَّلَامَة مِمَّا فِي اللَّفْظ مِنَ الشَّنَاعَة ، وَاَللَّه أَعْلَم(4).

ـــــــــــــ

(1) - المستدرك للحاكم(8750) صحيح

(2) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 19 / ص 303)(743 ) صحيح

(3) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 411)(645) صحيح

(4) - فتح الباري لابن حجر - (ج 13 / ص 287)

الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِ · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِص ٣٩