وقد روى أن أبا سفيان طلب من علىّ أن يتولى لأجل القرابة التي بينهما . وقد قال أبو قحافة ، لما قيل له أن ابنك تولى ، قال : " أو رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو مخزوم ؟ " قالوا : نعم . فعجب من ذلك ، لعلمه بأن بنى تيم كانوا من أضعف القبائل ، وأن أشراف قريش كانت من تلك القبيلتين .
وهذا وأمثاله مما إذا تدبره العاقل علم أنهم لم يقدموا أبا بكر إلا لتقديم الله ورسوله ، لأنه كان خيرهم وسيدهم وأحبهم إلى الله ؛ فإن الإسلام إنما يقدم بالتقوى لا بالنسب ، وأبو بكر كان أتقاهم .
وهنا طريق آخر ، وهو أنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن خير هذه الأمة القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهذه الأمة خير الأمم كما دل عليه الكتاب والسنة .
وأيضا فإنه من تأمّل أحوال المسلمين في خلافة بنى أمية ، فضلا عن زمن الخلفاء الراشدين ، علم أن أهل ذلك الزمان كانوا خيراً وأفضل من أهل هذا الزمان، وأن الإسلام كان في زمنهم أقوى وأظهر . فإن كان القرن الأول قد جحدوا حق الإمام المنصوص عليه المولى عليهم ، ومنعوا أهل بيت نبيهم ميراثهم ، وولوا فاسقا وظالما ، ومنعوا عادلا عالما ، مع علمهم بالحق ، فهؤلاء من شر الخلق ، وهذه الأمة شر الأمم ، لأن هذا فعل خيارها ، فكيف بفعل شرارها ؟ !
وهنا طريق آخر . وهو أنه قد عُرف بالتواتر ، الذي لا يخفى على العامة والخاصة ، أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي صلى الله عليه وسلم اختصاص عظيم ، وكانوا من أعظم الناس اختصاصاً به ، وصحبة له ، وقربا إليه ، واتصالا به ، وقد صاهرهم كلهم ، وما عُرف عنه أنه كان يذمهم ولا يلعنهم ، بل المعروف عنه أنه كان يحبهم ويثنى عليهم .