ثم " إنهم لا يزالون يقدمون المشهور على غيره ولو كان راوى الغير أعدل وأصدق " (1) وهذا مما جعل غلاة الجعفرية يسيرون إلى أهدافهم من طريق ممهد ، ولنضرب لهذا مثلا لعله كاف لما أردنا توضيحه .
صاحب كتاب " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " قال عن الروايات التي يرى أنها تثبت - على حد افترائه - تحريف القرآن الكريم :" الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفى حديث ، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق والداماد ، والعلامة المجلسى وغيرهم " (2) فهذه روايات جعفرية مشهورة مستفيضة ، فلما تعارضت مع كتاب الله تعالى : حيث أخبر سبحانه بأنه الحافظ لكتابه العزيز ولا تبديل لكلماته ، حرفوا معناه كما رأينا من قبل في الجزء الثانى ، فهؤلاء القوم لم يناقضوا أنفسهم هنا ، فهم غلاة في المبدأ وغلاة في التطبيق . ولكن الذين يمثلون جانب الاعتدال النسبى عند الجعفرية أبوا أن يهدم الإسلام من أساسه فرفضوا الأخذ بهذه الروايات ، وكان عليهم إذن أن يغيروا المبدأ حتى لا يناقضوا أنفسهم عند التطبيق . فهم يتفقون مع الغلاة في تقديم المشهور ، واختلفوا معهم عندما جاء المشهور الجعفرى لتقويض البناء الإسلامى .
2. جعلوا من المرجحات مخالفة العامة ، أى عامة المسلمين ، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقهم ، استناداً إلى المقبولة المرفوضة فهى مستندهم الوحيد ، وهى التي تزعم أن الإمام الصادق قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد .
(1) فوائد الأصول : 4 / 291 وقال المظفر بعد حديث عن المفاضلة بين المرجحات : " والنتيجة أنه لا قاعدة هناك تقتضي تقديم أحد المرجحات على الآخر ، ما عدا الشهرة التي دلت المقبولة على تقديمها " ( أصول الفقه 3 /227 ) .
(2) ص 227 من الكتاب المذكور وهو ينقل هذا عن ضال مثله ثم أخذ يؤيده ، راجع ما ذكرناه عن هذا الكتاب في الجزء السابق .