(وَإِلاَّ) يعني: وإن لم يختلفا بأن تماثلا.
(وَلَمْ يَقْبَلْ التَّكْرَارَ) ﴿حِسَّاً﴾ أو عقلاً، كقوله: ﴿اقْتُلْ زَيْدًا، وَاقْتُلْ زَيْدًا﴾. المثال السابق.
﴿أَوْ لَمْ يَقْبَلْ الأَمْرُ التَّكْرَارَ حُكْمًا. كَأَعْتِقْ سَالِمًا وَأَعْتِقْ سَالِمًا﴾ حينئذٍ الثاني توكيدٌ للأول.
يعني في هذين المثالين: اقتل زيداً اقتل زيداً سواء كان بعطفٍ أو بدون عطف الثاني توكيد، لماذا قلنا: اقتل زيداً واقتل زيداً بأن الثاني توكيدٌ للأول؟ نقول: لوجود المانع وهو أن الأصل في العطف المغايرة، وهنا يمتنع؛ لأن القتل إنما يحصل مرة واحدة فلا يمكن إعادته.
قال هنا: ﴿أَعْتِقْ سَالِمًا وَأَعْتِقْ سَالِمًا﴾ كذلك .. الثاني لا يمكن إعادته.
﴿فَالثَّانِي تَأْكِيدٌ بِلاَ خِلافٍ﴾.
(وَإِنْ قَبِلَ وَلَمْ تَمْنَعْ عَادَةٌ وَلَا عُرِّفَ ثَانٍ فَتَأْسِيسٌ) لأنه هو الأصل.
﴿وَإِنْ قَبِلَ الأَمْرُ التَّكْرَارَ مَعَ الْعَطْفِ وَلَمْ تَمْنَعْ مِنْ التَّكْرَارِ عَادَةٌ وَلا عُرِّفَ﴾ الثاني يعني ﴿بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ ثَانٍ مِنْ الأَمْرَيْنِ كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَالثَّانِي تَأْسِيسٌ﴾.
فحينئذٍ يلزمه أربع ركعات: صلِّ ركعتين وصلِّ ركعتين.
هنا حصل عطفٌ والثاني مماثلٌ للأول ولم يُعرّف الثاني، وكذلك لم يمنع من التكرار عادةٌ ولا غيرها. حينئذٍ نقول: وجب حمل الثاني على التأسيس؛ لأنه هو الأصل.
(وَإِنْ مَنَعَتْ عَادَةٌ تَعَارَضَا).
(عَادَةٌ) يعني: من التكرار. اسقني ماءً واسقني ماءً.
هنا ليس عندنا المانع هو العقل ولا الشرع، وإنما المانع هو العادة، مع وجود العطف حينئذٍ تعارض أمران: تعارض العطف ومنع العادة، فنحتاج إلى مرجِّح، والمرجّح يختلف باختلاف القرائن والأشخاص والأحوال.
قد يترجَّح العطف وقد يترجح التأسيس، وقد يترجح التوكيد؛ لأنه يحتمل: اسقني ماءً واسقني ماءً أنه أراد ماءً آخر، هذا يختلف من زيد عمرو، قد يكون الماء الأول دفَعَ به العطش واحتاج إلى ماءٍ آخر، ولكن العادة تمنع من ذلك في اطراد الناس لا في جميع الناس.
إذاً: (وَإِنْ مَنَعَتْ عَادَةٌ) من التكرار (تَعَارَضَا) أي: تعارض العطف ومنع العادة.
قال الآمدي: فقد تعارض الظاهر من حروف العطف مع منع العادة من التكرار.
ويبقى الأمر على ما ذكرناه فيما إذا لم يكن حرف عطفٍ ولا ثَم تعريفٌ ولا عادة مانعة من التكرار.
قال: (وَإِلاَّ وَعُرِّفَ ثَانٍ فَتَأْكِيدٌ).
(وَإِلاَّ) ﴿أَيْ وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ عَادَةٌ مِنْ التَّكْرَارِ وَعُرِّفَ ثَانٍ كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ فَالثَّانِي تَأْكِيدٌ﴾ لأن مبناه على القاعدة السابقة: أنه إذا عُرِّف الثاني والأول نكرة، فحينئذٍ نقول: نحمل الثاني على أنه عين الأول، فحينئذٍ يكون تأكيداً لا تأسيساً.
فالتأكيد أرجح من التأسيس؛ لأن التأسيس يعارضه مخالفة دليل البراءة الأصلية -يعني: براءة الذمة- فيبقى العطف ويعارضه أحد الأمرين، فيبقى الأمر الآخر سالماً عن المعارضة وهو يقتضي التوكيد {فِي اخْتِيَارِ الْقَاضِي وَأَبِي الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيِّ.