﴿وَلَمْ يُفَرِّقْ جَمَاعَةٌ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ﴾ هذا قولٌ آخر غير ما ذكره المصنف.
هناك قال: (وَيُرَدُّ مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ) مفهومه: إن لم يكن داعية قُبل.
وبعضهم سوَّى بين النوعين .. {وَلَمْ يُفَرِّقْ جَمَاعَةٌ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ وَقَبِلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
{وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْكَفَاءَةِ مِنْ الْفُصُولِ: إنْ دَعَا كَفَرَ. وَقَالَ أَيْضًا: وَالصَّحِيحُ لاَ كُفْرَ؛ لأَنَّ أَحْمَدَ أَجَازَ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ.
وَعُلِمَ مِمَّا فِي الْمَتْنِ: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ غَيْرَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرَ الْمُكَفَّرِ بِبِدْعَتِهِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ}.
يعني: المبتدعة في باب الرواية ثلاثة أنواع: مبتدع داعية. وبدعته غير مكفرة.
مبتدع بدعته مكفرة.
بقي نوع، وهو لم يذكره المصنف لكنه أُخذ بالمفهوم وهو: مبتدع بدعته غير مكفِّرة ولم يكن داعية.
هذا على كلامه يُقبل أو لا يُقبل؟ يُقبل؛ لأنه لم ينص إلا على نوعين قال: (وَيُرَدُّ مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ) ببدعة غير مكفّرة.
إذاً: المبتدع ببدعة مكفّرة يُرد، المبتدع ببدعة غير مكفّرة وهو داعية يُرد.
بقي قسم ثالث: وهو مبتدع بدعةً غير مكفّرة ولم يكن داعية، وظاهر صنيعه: بالمفهوم أنه يُقبل.
ولذلك قال: {وَعُلِمَ مِمَّا فِي الْمَتْنِ: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ غَيْرَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرَ الْمُكَفَّرِ بِبِدْعَتِهِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى لِعَدَمِ عِلَّةِ الْمَنْعِ} يعني: كلام الشارح هذا.
{وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُبْتَدَعَةِ. كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَرِوَايَةِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ عَنْهُمْ.
لاَ يُقَالُ: قَدْ تُكُلِّمَ فِي بَعْضِهِمْ؛ لأَنَّهُ أُرِيدَ مَعْرِفَةُ حَالِهِمْ، أَوْ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ} يعني: قبول الرواية شيء. والكلام فيهم شيءٌ آخر.
الكلام فيهم لماذا؟ من أجل معرفة حالهم؛ لئلا يختلط من كان على عقيدة أهل السنة والجماعة بغيرهم.
ثانياً: يكون ذلك عند التعارض مع عدم إمكان الجمع، وحينئذٍ يكون الترجيح بأن من كانت عنده بدعة يكون مرجوحاً.
﴿أَوْ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، ثُمَّ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِمَنْ لَمْ يٌتَكَلَّمْ فِيهِ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ رَدِّهِ رَدُّ الْجَمِيعِ﴾ يعني: إذا رُد واحدٌ من أهل البدع لعلة ما. لا يلزم منه أن يكون الحكم عاماً، وإنما يرد هو لذاته.
قال: ﴿وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ رَدِّهِ رَدُّ الْجَمِيعِ أَوْ الأَكْثَرِ؛ لِكَثْرَةِ تَفْسِيقِ الطَّوَائِفِ وَتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلأَنَّهَا حَاجَةٌ عَامَّةٌ﴾.
يعني: لو رُد كثير من أهل البدع لفات شيءٌ كثيرٌ من الروايات.
فهي أولى من تصديقه أنه مِلْكُه، وفي استئذانه، وإرساله بهدية وهي إجماع.
أي: وقع الإجماع على قبول قولهم في الإقرار بالملك مثلاً، ودعوى الملك وأمثالها للحاجة لذلك والحاجة في الرواية أولى.