﴿يَعْنِي: وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَدَمُ الأُخْرَى﴾ التساوي هنا .. المثال المشهور عند المنطقيين (الإنسان والضاحك بالقوة) العلم يتعلق بالإنسان فيعلم أنه ماذا؟ أنه حيوان ناطق، ثَمَّ لفظ آخر وهو (الضاحك بالقوة)، من هو الإنسان؟ هو الضاحك بالقوة، من هو الضاحك بالقوة؟ هو الإنسان. إذاً: هاتان حقيقتان يلزم من وجود واحدة منهما (الإنسان) فقط وجود الثانية (الضاحك بالقوة)، وإذا وجدت الحقيقة الأخرى (الضاحك بالقوة) وجد الإنسان، لماذا؟ لأن كلاً منهما مفسر للآخر .. متساويان في الحقيقة، فما يصدق عليه إنسان ما هو؟ الشخص نفسه، وما يصدق عليه الضاحك بالقوة ما هو؟ هو ما صدق عليه الإنسان، فاتحدا في المصدق، تقول: هذا إنسان، هذا ضاحك بالقوة، فاللفظان متغايران، معنى الإنسان ومعنى الضاحك بالقوة، لكن المصدق، يعني ما يحمل عليه وما يخبر عنه نقول: هذا متحد، وهو شيء واحد، هذا يعبر عنه بماذا؟ أنه متساويان، يجتمعان؟ يلزم من ذكر الحقيقة الأولى وهي الإنسان وجود الثانية. طيب! إذا انتفى الإنسان انتفى كونه ضاحكاً بالقوة، وإذا انتفى كونه ضاحكاً بالقوة انتفى كونه إنسان، ولذلك قال: (يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ) يعني: كل واحدة، (وُجُودُ الأُخْرَى) إذا وجد الإنسان وجد الضاحك بالقوة، (وَعَكْسُهُ) يعني: النفي، يلزم من عدم كل واحدة منهما عدم الأخرى.
قال الشارح: ﴿كَالإِنْسَانِ وَالضَّاحِكِ بِالْقُوَّةِ, فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُودُ الآخَرِ, وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ, فَلاَ إنْسَانَ إلاَ وَهُوَ ضَاحِكٌ بِالْقُوَّةِ, وَلاَ ضَاحِكَ بِالْقُوَّةِ إلاَ وَهُوَ إنْسَانٌ﴾ هنا قال: ضاحك بالقوة ولم يقل: ضاحكاً بالفعل لماذا؟ لأنه قد يوجد إنسان وليس ضاحكاً بالفعل، الفرق بينهما كما قال الشارح: ﴿وَنَعْنِي بِالْقُوَّةِ كَوْنَهُ قَابِلاً وَلَوْ لَمْ يَقَعْ﴾ يعني: كونه قابلاً لأن يضحك ولو لم يحصل منه الضحك، وحينئذٍ أنت ضاحك بالقوة وأنا ضاحك بالفعل، فاجتمعا، وحينئذٍ الضاحك بالفعل قد ينتفي مع وجود الإنسان، لكن الضاحك بالقوة كونه قابلاً للضحك نقول: هذا لا ينتفي.
قال الشارح: ﴿وَنَعْنِي بِالْقُوَّةِ كَوْنَهُ قَابِلاً وَلَوْ لَمْ يَقَعْ، وَيُقَابِلُهُ الضَّاحِكُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْمُبَاشِرُ لِلضَّحِكِ﴾ ومثله جميع الصفات التي تتعلق بالإنسان، فأنت الآن قاعد بالفعل قائم بالقوة، ماشٍ بالقوة، أنت مستيقظ الآن بالفعل نائم بالقوة، يعني عندك قابلية للنوم، وهكذا. فكل الصفات التي تعتري الإنسان لها جهتان، إن حصلت بالفعل فيوصف بالفعل يعني بالإيجاب، وكونه قابلاً لو أراد أن يفعل لفعل نقول: هذا بالقوة، فحينئذٍ لا يتناقضان.
إذاً: هذا النوع الأول: (مُتَسَاوِيَتَانِ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ) بالتنوين .. في المتن: (كُلِّ) وفي الشرح رد المضاف إليه .. أرجعه، كل واحدة (كُلِّ) ﴿وَاحِدٍ﴾ (وُجُودُ الْأُخْرَى وَعَكْسُهُ).
إذاً: لا يفترقان البتة.
(أَوْ مُتَبَايِنَتَانِ لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ) يعني: لا يجتمعان البتة، متباينتان، التباين هو التخالف.