ثم قال: ﴿وَيُطْلَقُ الْجَائِزُ أَيْضًا عَلَى مَا اسْتَوَى فِيهِ الأَمْرَانِ شَرْعًا﴾ وهذا رادف المباح، فيطلق على المباح أنه جائز.
(وَعَلَى مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ) يعني: الفعل والترك، (شَرْعًا) يعني: من جهة الشرع لا من جهة العقل (كَمُبَاحٍ) فيرادف المباح.
(وَعَقْلًا) يعني: على ما استوى فيه الأمران: الفعل والترك.
(كَفِعْلِ صَغِيرٍ. وَعَلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ فِيهِمَا) يعني: في الشرع والعقل، (بِالِاعْتِبَارَيْنِ) وهما استواء الطرفين وعدم الامتناع، حينئذٍ يكون الجائز أعم مما ذكر.
إذاً في قوله: (وَيطلقُ عَلَى مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ) من جهة الشرع وهذا واضح بيّن، و (عَلَى مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ) يعني: الوجود والعدم وهو الجائز عقلاً.
(كَفِعْلِ صَغِيرٍ) يجوز منه الفعل وعدمه.
(وَيطلقُ عَلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ فِيهِمَا) يعني: في الشرع والعقل.
(بِالِاعْتِبَارَيْنِ) السابقين يعني: الوجود والعدم.
وهما استواء الطرفين وعدم الامتناع.
قال ابن قاضي الجبل: يطلق الجائز على المباح، وعلى ما لا يمتنع شرعاً أو عقلاً أي: على ما لا يحرم، ويدخل فيه غير الحرام من الأحكام، على ما نص عليه المصنف هنا رحمه الله تعالى.
ثم قال: (وَلَوْ نُسِخَ وُجُوبٌ بَقِيَ الْجَوَازُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ).
(وَلَوْ نُسِخَ وُجُوبٌ) يعني: وجوب فعلٍ، ثبت الوجوب ثم نسخ، رُفع الحكم وهو الوجوب. بقي بعد رفع الوجوب، ما حكم هذا الشيء الذي نسخ؟ كان واجباً، حينئذٍ ما حكمه في الشرع؟
قال: بقي مشتركاً بين حكمين: إما الإباحة وإما الندبُ، ولا يجتمعان، وإنما يرجَّح بدليل وقرينة. إما الإباحة وإما الندب، لماذا؟ لأن الوجوب هو ندب وزيادة، فإذا ارتفعت الزيادة بقي الندب.
ثم يقال: إن الشرع إنما أوجب الشيء لمصلحة فيه، فإذا رَفَع الحكم، إذاً: عندنا حكم وعندنا متعلق الحكم وهو المصلحة، فإذا رفع الحكم حينئذٍ بقي التردد: هل المصلحة باقية أم لا؟ حينئذٍ يحتمل الأمرين: الندب والإباحة، فإن ترجح بقاء شيء من المصلحة رجّحنا الندبية، وإن لم يترجح بقاء شيء من المصلحة حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الإباحة، وهذا كلام حسن.
﴿وَلَوْ نُسِخَ وُجُوبُ فِعلٍ بَقِيَ الْجَوَازُ فِيهِ﴾ يعني: في ذلك الفعل الذي رُفع الحكم عنه.
(مُشْتَرَكًا بَيْنَ نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ) يعني: مع الترجيح، ليس في وقت واحد؛ لأنه لا يجتمعان، فيحتمل رفع الحكم مطلقاً فتبقى الإباحة، ويحتمل رفع وجوب الحكم فيبقى الندب، فحينئذٍ نقول: القاعدة هنا: إذا نسخ الوجوب يحتمل حينئذٍ أن المصلحة بقي منها شيء، فيترجح الندب، ويحتمل أن المصلحة قد زالت فيترجح الإباحة.
قال هنا: ﴿فَيَبْقَى الْفِعْلُ إِمَّا مُبَاحًا، أَوْ مَنْدُوبًا﴾ لذلك أتى بـ "أو"، ولو أتى بـ "أو" في المتن لكان أولى، لئلا يوهم الجمع.
{لأَنَّ الْمَاهِيَةَ الْحَاصِلَةَ بَعْدَ النَّسْخِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَيْدَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: زَوَالُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الأَمْرِ} لأن الأصل عدم الفعل.
{وَالثَّانِي: زَوَالُ الْحَرَجِ عَنْ التَّرْكِ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ النَّاسِخِ.