تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فَيُقَالُ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ: مُبَاحٌ. وَيُقَالُ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، وَلِلْمُبَاحِ: حَلالٌ، لَكِنْ إطْلاقُ الْمُبَاحِ عَلَى مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ هُوَ الأَصْلُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً))﴾.

قال رحمه الله تعالى: (وَالْإِبَاحَةُ: إِنْ أُرِيدَ بِهَا خِطَابُ فَشَرْعِيَّةٌ، وَإِلاَّ فَعَقْلِيَّةٌ) يعني: الإباحة عند أهل الأصول قسمان:

وَمَا مِنْ الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةْ ... قَدْ أُخِذَتْ فَلَيْسَتِ الشَّرْعِيَّةْ

القسم الأول: الإباحة التي يُعبَّر عنها بالبراءة الأصلية وهي الإباحة العقلية، يعني مبناها على غير الشرع .. قبل ورود الشرع، فمثلاً تحريم الزنا، قبل أن يحرم الزنا فالأصل فيه الإباحة، والذي دل على ذلك هو العقل، ومعنى ذلك: أنه عدم التشريع، فعدم التشريع أصل، لكن هذا قبل ورود الشرع، فكل ما تعلق به الحكم الشرعي بعد وجود البعثة نقول: هذا يعتبر نقل عن البراءة الأصلية ولا يسمى نسخاً.

إذاً: البراءة الأصلية هي الإباحة العقلية، مردها إلى العقل لا إلى الشرع، وهي بعينها ما يسمى استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه، وأما الإباحة الشرعية فكاسمها منسوبة إلى الشرع، يعني: ثم خطاب يدل على أنها مباح، يعني عرفت من قِبَل الشرع.

كإباحة الجماع في ليالي رمضان المنصوص عليه بقوله: ((أُحِلَّ لَكُمْ)) [البقرة:187] جاء النص، والفرق بين الإباحتين: أن رفع الإباحة الشرعية يسمى نسخاً، يعني يباح الشيء أولاً من جهة الشرع .. يأتي الخطاب، ثم يرتفع إما إيجاباً أو ندباً، فنقول: هذا نسخ؛ لأنه تحقق فيه حقيقة النسخ: رفع خطاب بخطاب، فيسمى نسخاً، كرفع إباحة الفطر في رمضان وجعل الإطعام بدلاً عن الصوم المنصوص في قوله: ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)) [البقرة:184] فإنه منسوخ بقوله: ((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)) [البقرة:185] وأما الإباحة العقلية فليس رفعها نسخاً؛ لأنها ليست حكماً شرعياً بل عقلياً، ولذا لم يكن تحريم الربا ناسخاً لإباحته في أول الإسلام؛ لأنها إباحة عقلية، وأمثال ذلك كثير جداً.

قال: (وَالْإِبَاحَةُ: إنْ أُرِيدَ بِهَا خِطَابٌ) يعني: خطاب الشرع (فَشَرْعِيَّةٌ) يعني: فهي شرعيةٌ، (وَإِلاَّ) ﴿أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَدْ بِهَا ذَلِكَ لِتَحَقُّقِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ﴾ انظر: قبل الشرع، يعني: قبل البعثة (فَعَقْلِيَّةٌ) فهي عقليةٌ ﴿وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ﴾ التفريق بين الإباحتين.

ثم قال: (وَتُسَمَّى شَرْعِيَّةً بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، أَوْ الْإِذْنِ) يعني: تسمى الإباحة شرعية وتفسّر بمعنيين: إما التقرير، أو الإذن.

التقرير في ماذا؟ في ما إذا جاء الشرع بتقرير ما عليه أهل الجاهلية، وهذا له نظائر.

بمعنى: أنه لم يرفع البراءة الأصلية، بل بقيت على أصلها، يسمى تقريراً، فتجتمع فيه الإباحتان، حينئذٍ بقي على أصله بالإباحة العقلية، لكن لا نستدل بها.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٦٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٦٨٨