قال: لأَنَّهُ إِنْ عُمِلَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ يعني: امتثلوه ﴿كَانَ الْعَمَلُ بِهِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ عَنْ تَشَهٍّ﴾ فالعمل حينئذٍ لم ينبني على دليل. هذا المراد العمل.
ثم قال: ﴿وَالْعَمَلُ بِالْحُكْمِ عَنْ التَّشَهِّي لاَ يَجُوزُ﴾. إذاً: "إن عُمل" وليس "إن عُلمَ".
﴿لأَنَّهُ إِنْ عُمِلَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ عَنْ تَشَهٍّ، وَالْعَمَلُ بِالْحُكْمِ عَنْ التَّشَهِّي لاَ يَجُوزُ﴾ لأنه على غير علم.
﴿وَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ﴾ -الأصح- ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ كَانَ تَرْكًا لِلْحُكْمِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ﴾.
إذاً: هذا الحكم الذي جُهل دليله إما أن يُعمل به، وإما ألا يُعمل.
إن عُمل به حينئذٍ تشهي؛ لأنه ليس عن دليل، إن تُرك ولم يُعمل حينئذٍ كان تركاً للحكم المتوجه على المكلَّف.
{قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ دَلِيلٌ أَوْ خَبَرٌ رَاجِحٌ، أَيْ: بِلا مُعَارِضٍ، وَقَدْ عُمِلَ عَلَى وَفْقَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. فَهَلْ يَجُوزُ عَدَمُ عِلْمِ الأُمَّةِ بِهِ أَمْ لاَ؟
فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ}.
إن وجد دليلٌ آخر يُمكن عدم العلم به، وأما إن لم يكن فلا.
{وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُ بِأَنَّ اشْتِرَاكَ جَمِيعِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، أَوْ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، لَمْ يُوجِبْ مَحْذُورًا؛ إذْ لَيْسَ اشْتِرَاكُ جَمِيعِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ إجْمَاعًا، حَتَّى تَجِبَ مُتَابَعَتُهُمْ فِيهِ، بَلْ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ كَعَدَمِ حُكْمِهِمْ فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَحْكُمُوا فِيهَا بِشَيْءٍ. فَجَازَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ لِيَعْلَمَهُ.
وَاحْتَجَّ النَّافِي: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ عَدَمُ عِلْمِ جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ لَحَرُمَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِهِ، وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وبَيَانُ الْمُلازَمَةِ -في الفساد- أَنَّهُ حينئذٍ يَكُونُ عَدَمُ عِلْمِهِمْ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِهِ لاتَّبَعُوا غَيْرَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ لاَ يَكُونُ سَبِيلاً لَهُمْ؛ لأَنَّ السَّبِيلَ: مَا اخْتَارَهُ الإِنْسَانُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ} وعدم علمهم ما اختاروه فلا يكون سبيلاً لهم.
إذاً: إن كان ليس عندنا إلا دليلاً واحداً، فحينئذٍ لا يمكن أن تتفق الأمة على الجهل به.
وإن عملت بالحكم على وفق دليل ولو دليلٌ آخر، حينئذٍ يمكن الجهل بالدليل الآخر، إنما الحكم منصبٌ على العلم بالحكم الشرعي من حيث ثبوتُه بدليل شرعي، وأما تعدد الأدلة كما مر معنا: أنه يجوز أن تُجمع الأمة على وفق دليل, ويأتي المتأخر ويستنبط للإجماع دليلاً آخر أو علة أخرى، هذا لا إشكال فيه، بل العمل قائم على هذا.