تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ﴾ يعني: فرَّق بين شيئين: بين حديث النفس وبين الكلام، فلا يسمى حديث النفس كلاماً، قال: ما لم تتكلم، لو كان حديث النفس يسمى كلاماً لقال: عفا الكلام ما لم تتكلم .. لو كان حديث النفس يسمى كلاماً لقال: إن الله تعالى عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما تكلمت ما لم تتكلم، وهذا تناقض، فلا يسمى حديث النفس كلاماً.

﴿وَقَسَّمَ أَهْلُ اللِّسَانِ الْكَلامَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ﴾ وهذا باتفاق .. لا خلاف بينهم ﴿وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً عَلَى أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ لاَ يَتَكَلَّمُ لَمْ يَحْنَثْ بِدُونِ نُطْقٍ﴾ وهذا لا شك فيه ﴿وَإِنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ﴾ تحدث به .. قال: والله لا أكلّم زيداً، وحدث نفسه أنه سيكلم زيد، حنث أو لا؟ لا يحنث.

﴿وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ))﴾ هذا مجاز ولا إشكال فيه، لماذا؟ لوجود القرينة الواضحة البينة الصارفة عن أن المراد به اللفظ، لقوله: ((فِي أَنْفُسِهِمْ)) وهذا لا إشكال فيه.

{لأَنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ بِالْقَرِينَةِ. وَهِيَ قَوْلُهُ: فِي أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ أُطْلِقَ لَمَا فُهِمَ إلاَّ الْعِبَارَةُ.

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إنَّمَا يُفِيدُ مَعَ الْقَرِينَةِ.

وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلامًا إنَّمَا أَفَادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي نَفْسِي} وهذا قيد.

﴿وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ((وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ))﴾.

((وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ)) الإسرار يعني: في النفس ((أَوِ اجْهَرُوا بِهِ)) ما يقابله ﴿فَلا حُجَّةَ فِيهِ؛ لأَنَّ الإِسْرَارَ نَقِيضُ الْجَهْرِ. وَكِلاهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ إحْدَاهُمَا أَرْفَعُ صَوْتًا مِنْ الأُخْرَى﴾.

هذا المراد به، وأما قولهم:

إِنَّ الْكَلاَمَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيْلاً

﴿فَهُوَ لِلأَخْطَلِ﴾ وهو نصراني.

﴿وَيُقَالُ: إنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ: إنَّ الْبَيَانَ لَفِي الْفُؤَادِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْتُمْ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ مَادَّةِ الْكَلامِ، وَهُوَ التَّصَوُّرَاتُ الْمُصَحِّحَةُ لَهُ؛ إذْ مَنْ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مَعْنَى مَا يَقُولُ لاَ يُوجَدُ مِنْهُ كَلامٌ﴾.

ثم لو ثبت عنه، فحينئذٍ نقول: "إِنَّ الْكَلاَمَ" هذا هل هو حجة في إثبات الألفاظ ومعانيها أم لا؟ ليس بحجة، لو ثبت عنه: "إِنَّ الْكَلاَمَ لَفِي الْفُؤَادِ" نقول: هذا يحتاج إلى:

أولاً: إثبات أنه حجة في نفسه، ثم بعد ذلك يحتاج إلى صرف نصوص الكتاب والسنة على بيانه.

قال: {إِذْ مَنْ لاَ يَتَصَوَّرُ مِنْهُ مَعْنَى مَا يَقُولُ لاَ يُوجَدُ مِنْهُ كَلامٌ. ثُمَّ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ فِي تَرْجِيحِ الْفُؤَادِ عَلَى اللِّسَانِ.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٥٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٥٤٣