كأنه بهذه القاعدة وهذا الأصل .. أن حمل الأشاعرة لفظ الكلام على المعنى النفسي له وجه لغوي، صحيح؟ ينبني على هذا أن حمل الأشاعرة لفظ الكلام على المعنى النفسي له وجه لغوي وهو كونه مجازاً، وهذا باطل، ولذلك إطلاقه هنا بأن الكلام يستعمل في المعنى النفسي دون قيد، هذا باطل، مخالف لإجماع السلف ومخالف لإجماع أهل اللغة، وأصل المسألة يجب حذفها.
قال: فإطلاقه عليه مجاز، قال في شرح الكوكب: ﴿وَهَذَا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ﴾ وهذا فيه نظر، بل هو غلط ظاهر، أنه لا ينسب للإمام أحمد ولا لأهل السنة أنهم يُطلقون لفظ الكلام على المعنى النفسي يقولون: هو مجاز، نقول: هو غلط في اللغة، لا تدل عليه، بل القرآن يدل على بطلانه، وإجماع أهل اللغة يدل على بطلانه، فلا يستعمل لفظ الكلام في المعنى النفسي أبداً لا حقيقة ولا مجازاً إلا إذا قُيّد، يعني: جاءت قرينة صريحة واضحة بينة أن المراد به المعنى النفسي وإلا فلا، "زوَّرت في نفسي كلاماً" كما قال عمر لا إشكال فيه، كما قال تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ)) [المجادلة:8] نقول: هذا جاء التقييد فلا إشكال فيه، وأما إطلاق -هكذا دون قيد- لفظ الكلام على المعنى النفسي فهذا لا يُعرف إلا عن الأشاعرة، ولذلك بنَو عليه مذهبهم.
إذاً: قوله ﴿وَهَذَا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ﴾ قلنا هذا فيه نظر بل هو غلط ظاهر، وهذا القول هو قول كثير من المعتزلة وغيرهم، والصواب الذي عليه السلف والأئمة: أنه حقيقة في مجموعهما، يعني: كلام حقيقة في اللفظ والمعنى معاً، كما أن الإنسان حقيقة في البدن والروح، اختُلف في الإنسان مسماه ما هو؟ قيل: حقيقة في البدن فقط، وقيل بل في الروح فقط، والصواب: أنه حقيقة فيهما معاً.
واحتج السلف بالكتاب والسنة واللغة والعرف، على أن المراد بالكلام هو اللفظ والمعنى معاً، أما الكتاب فقوله تعالى: ((آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)) [مريم: 10 - 11].
قال: ((أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ)) [مريم:10] نهاه عن الكلام، ثم قال: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ)) [مريم:11] يعني: أشار إليهم.
إذاً: لم يسم الإشارة كلاماً.
وقال لمريم: ((فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)) [مريم:26].