والشرع لم يأت بوجوب شيء على الباري جل وعلا، فقوله: (وَلَا يَجِبُ) هذا استُعمل في معنييه: الوجوب العقلي والوجوب الشرعي، فنفى المصنف أن يدل العقل على وجوب شيء على الباري جل وعلا، وهذا صحيح، العقل لا يدل على شيء، لكن لو جاء الشرع بوجوب شيء على الباري جل وعلا، الشرع ما المراد به؟ المراد أنه أوجب على نفسه، والشرع هو الكتاب والسنة، فإذا دل النص على أنه قد أوجب على نفسه شيئاً قال المصنف: يجب تأويله، لماذا؟
لأنه لا يجب على الباري جل وعلا شيء البتة، فنفى الوجوب شرعاً وعقلاً، قلنا العقل كذلك يُسلم له، وأما الشرع فلا يسلَّم؛ لأنه لا بأس أن يقال بأن الباري جل وعلا أوجب على نفسه كذا أو أحق على نفسه شيئاً آخر، يعني: التزمه، لا بأس به لورود النص، لكن كلام المصنف هنا على أنه على جهة العموم.
(وَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ عَقْلًا) يعني: ﴿لاَ عَقْلاً وَلا شَرْعًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ: مِنْهُمْ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه اللَّهُ تَعَالَى، بَلْ يُثِيبُ الْمُطِيعَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ﴾ ولا شك أن الإثابة إنما تكون بفضله، ولن يدخل أحد الجنة بعمله، وإنما برحمة الباري جل وعلا، وليس الكلام في هذه المسألة، وإنما الكلام: هل ثَم إلزام أم لا؟
﴿قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَمَعْنَى كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ﴾.
يعني: قد يجب، والتعليل ما ذكر: أنه أوجبه على نفسه إتماماً لرحمته .. كمالاً لرحمته وفضله.
﴿وَلِهَذَا أَوْجَبُوا إخْرَاجَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ بِوَعْدِهِ﴾.
وعدُه لا يتخلف، وما معنى هذا؟ هو معنى الإيجاب، هو معنى الإلزام، إذا قيل بأنه إذا وعد الباري جل وعلا بخروج الموحدين من النار التزَم أو لا؟ التزَم، وهذا معنى الحق ومعنى الإيجاب الشرعي، إذاً: يجب على الباري جل وعلا شرعاً ولا بأس بذلك، والله أعلم.
﴿وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) أَيْ: وَاجِبًا أَوْجَبَهُ هُوَ﴾.
هذا واضح بيّن ولا شك فيه.
{أَيْ وَاجِبًا أَوْجَبَهُ هُوَ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ -ابن تيمية رحمه الله تعالى-: أَكْثَرُ النَّاسِ يُثْبِتُ اسْتِحْقَاقًا زَائِدًا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَعْدِ لِهَذِهِ الآيَةِ}.
إذاً: ثَم ما يعبّر عنه بأنه واجب شرعاً، فلا إشكال فيه.
﴿وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟﴾.
الحق بمعنى: الواجب، حق العباد على الله تعالى، وهنا الذي صرّح به النبي صلى الله عليه وسلم، والآية السابقة ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) ولا يخلف الله وعده، كل النصوص تدل على أن ثَم شيئاً زائداً على مجرد الرحمة والكرم والجود وغير ذلك.
حينئذٍ قوله: (لَا شَرْعًا) هذا فيه نظر.
﴿وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الأَصْلَحِ. وَهِيَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ﴾.