تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعدوم حال عدمه غير مخاطب، حينئذٍ نقول: عموم النصوص يؤخذ من جهتين: الجهة الأولى: النص لقوله تعالى: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)) [الأنعام:19] يعني: من بلغه القرآن.

إذاً: القرآن منذر به الصحابة وهم المخاطبون بالدرجة الأولى لوجودهم، وغيرهم مثلهم، بدليل: ((وَمَنْ بَلَغَ)) [الأنعام:19] يعني: من بلغه القرآن.

ثم إجماع الصحابة على أن من وُلد بعد انقطاع الوحي أنه داخل في جملة من دخل في النص، بمعنى أنه مخاطب، هذا إجماع أم لا؟ نقول: هذا إجماع.

إذاً: لا اعتراض بما يورده بعض الأشاعرة وغيرهم.

قال: (وَيَعُمُّهُ) يعني: يعُمُّ المعدومَ (الْخِطَابُ)، متى؟

قال: (إِذَا كُلِّفَ) يعني: تحقق فيه شروط التكليف السابق.

(كَغَيْرِهِ) ﴿أَيْ كَغَيْرِ الْمَعْدُومِ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ﴾ من صغير إذا بلغ، ومجنون إذا عقل.

(كَغَيْرِهِ) ﴿أَيْ كَغَيْرِ الْمَعْدُومِ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَلا يَحْتَاجُ إلَى خِطَابٍ آخَرَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ﴾.

قال ابن مفلح: يجوز تكليف المعدوم بمعنى أن الخطاب يعمه إذا وجد أهلاً ولا يحتاج إلى خطاب آخر، لكن: يجوز تكليف المعدوم حال عدمه؟ هذا لا يتصور؛ لأنه معدوم والمعدوم ليس بشيء.

فقول ابن مفلح هنا: "يجوز تكليف المعدوم" بمعنى أن الخطاب يعمه، لكن بين العبارتين خلاف عند الأصوليين: هل وُجّه إليه الخطاب حال عدمه أم لا؟ هذا محل نزاع بينهم.

"حال عدمه" وقت عدمه ليس بشيء، هل وُجِّه إليه الخطاب أم لا؟ ليسلموا من حدوث الخطاب؛ لأن الخطاب كلام، فقالوا إذاً: أنت زيد من الناس وُلدت الآن، عندهم الخطاب قديم، بمعنى أن الله تعالى خاطبك أنت بـ: أقيموا الصلاة قبل خلق السماوات والأرض، حينئذٍ أنت كنت معدوماً، حينئذٍ كيف يقال بأنه يخاطِب من ليس موجوداً؟

فوقع نزاعٌ بينهم على ما ذكرناه سابقاً، لكن المسألة مبنية على هذا الخلاف.

قال هنا: ﴿وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ. وَنُسِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَجَمْعٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَعْدُومَ لاَ يَعُمُّهُ الْخِطَابُ مُطْلَقًا﴾.

وفي التحرير: لا يعمه إلا بدليل مقيد- مقيد -، وقال في الشرح: وذكره بعض أصحابنا عن أبي الخطّاب: لا يعمه إلا بدليل نص أو إجماع أو قياس.

إذاً: وُجد إجماع، ووجد النص، أما النص فقوله: ((وَمَنْ بَلَغَ)) وأما الإجماع: إجماع الصحابة على أن من ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان معدوماً قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أقرب ما يكون من المعدومين إلى وقت الخطاب، فمن ولد في عهد الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو معدوم، ومع ذلك لم يستنكر أحد بأنه مخاطب بالنصوص، بل لم ترد أصلاً المسألة على أذهانهم أنه غير مخاطب، وإنما الأصل هو الخطاب.

قال: {وَاسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)).

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٥٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٥٢٨