تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) جمعوا بين أمرين: بين الكفر وبين معصية الصد عن سبيل الله، "كَفَرُوا وَصَدُّوا" متغايران ((زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ)) "أل" في (الْعَذَابِ) هذه للعهد الذهني، أي عذاب؟ العذاب المترتب على الكفر، زادهم عليه عذاباً وهو المتعلق بالصد عن سبيل الله، وهذا واضح بيّن.

قال: ﴿أَيْ: فَوْقَ عَذَابِ الْكُفْرِ. وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى بَقِيَّةِ عِبَادَاتِ الشَّرْعِ﴾.

لكن جاء النص هنا في الصد عن سبيل الله، وهو محتمل للعموم.

ومثله قوله تعالى: ((مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)) [المدثر: 42 - 43] لأنهم كفار، ولذلك قالوا: ((وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)) [المدثر:46] فدل على أنهم كفار، ومع ذلك ذكروا فيما استحقوا عليه العذاب: ترك الصلاة، وهو فرع من فروع الشريعة، حينئذٍ نقول: هذا الفرع تركوه، وقد عُذّبوا عليه في النار.

ذكر هذا في معرض التصديق لهم تحذيراً من فعلهم، ولو كان كذباً لم يحصل التحذير منه، كيف وقد عطف عليه ((وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)) [المدثر:46] كيف يعطف ذلك على ما لا عذاب فيه. كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى.

وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)) الذي هو دعاء غير الله، والزنا وقتل النفس ((يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ)) [الفرقان:68 - 69] هذا صريح.

إذاً: هذه هي الفائدة في كونهم مخاطبين بفروع الشريعة: أنهم لا يطالبون بفعلها دون الإسلام، وإنما لو تركوها زيد عليهم العذاب فوق العذاب، إذاً: يعذبون عليها في الدار الآخرة، وأما في الدنيا فلا فرع لها المسألة هذه، وإنما العبرة بالآخرة.

ولذلك قال: ((يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [الفرقان:69] ومضاعفة العذاب تدل على ماذا؟ على أنهم تركوا ما خوطبوا به، فكل من ترك الصلاة وهو كافر في الدنيا حتى مات عُذِّب بكل فرض، وكل من وقع في الزنا أو شرب الخمر أو سرق وهو كافر عُذِّب على كل منكر من ذلك.

قال: ﴿وَاحْتَجَّ فِي الْعُدَّةِ وَالتَّمْهِيدِ بِأَنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِالإِيمَانِ، وَهُوَ: شَرْطُ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ خُوطِبَ بِالشَّرْطِ كَالطَّهَارَةِ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلاةِ﴾.

والنصوص واضحة لا نحتاج إلى هذا القياس، النص واضح أنه مخاطب مباشرة.

﴿وَكَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِخِطَابِهِ بِصِدْقِ الرُّسُلِ، وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ عَلَى النَّظَرِ، وَأَنَّ هَذَا لِقُوَّتِهِ مُفْسِدٌ لِكُلِّ شُبْهَةٍ لِلْخَصْمِ﴾.

لا. النص واضح بيّن ولا نحتاج إلى هذا؛ لأنه قال: ﴿بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ عَلَى النَّظَرِ﴾ مبنية على النظر، ومر معنى أنها ليست مبنية على النظر.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٥١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٥١٢