قال: رُد المراد به أمر إيجاب، ولهذا قيده بالمشقة، والندب بعض الوجوب فهو كاستعمال العام في بعضه، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى -ابن تيمية-: والتحقيق أن يقال: الأمر المطلق لا يكون إلا إيجاباً. يعني: كامل من كل وجه، وأما المندوب إليه فهو مأمور به أمراً مقيداً لا مطلقاً، فيدخل في مطلق الأمر لا الأمر المطلق، ولكن ليس هذا بحثنا.
بحثنا: هل يطلق عليه إذا دخل في مطلق الأمر وسمي أمراً هل هو حقيقة أم مجاز؟ هذا البحث، وأما كونه يشمله مطلق الأمر، هذا لا إشكال فيه كما مر معنا في أول الأمر.
فحينئذٍ كونه داخلاً في مطلق الأمر يرد السؤال مرة أخرى: إذا سمي مأموراً به هل هو حقيقة أم مجاز؟ هذا البحث فيه، والصواب ما قدمه المصنف من أنه حقيقة فيه لا مجاز.
قال: (فَيَكُونُ لِلْفَوْرِ) يعني: على الأول الذي هو كونه مأموراً به حقيقة؛ لأن أَمَرَ الذي هو إيجاب سيأتي أنه على الصحيح للفور.
بمعنى أنه يجب امتثال المأمور به في أول زمن عند العلم بالأمر، فإذا قال له: صلِّ، قلنا هذا دل على الفورية، بمعنى أنه لا يجوز له أن يتأخر إلى الزمن الثاني أو الثالث، فمنذ أن يسمع ويتأهل ويتوضأ ويتطهر وجب عليه الامتثال ولا يجوز له التأخير، هذا معنى الفورية: أنه يمتثل مباشرة عند سماع الأمر.
هل الندب كذلك؟ ينبني على هذا الخلاف، إن قلنا بأن المندوب مأمور به حقيقة فهو للفور، وإن قلنا بأنه مجاز فليس للفور، والصواب أنه للفور بناء على الأول.
لذلك قال: (فَيَكُونُ لِلْفَوْرِ) الفاء هذا للتفريع، يعني: يتفرع على القول السابق: (مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً) قال: (فَيَكُونُ لِلْفَوْرِ).
{فَعَلَى الأَوَّلِ يَكُونُ لِلْفَوْرِ.
قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: قِيَاسًا عَلَى الْوَاجِبِ.
لَكِنْ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ عَلَى الْفَوْرِ، مَاذَا يَكُونُ؟ يَحْتَمِلُ مَا أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِهِ} وهذا احتمال.
﴿وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَكْرَارُهُ كَالْوَاجِبِ﴾ أيضاً يقتضي التكرار أو لا؟ وهذا سيأتي بحثه، والأمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر ندب يستوي فيه الأحكام الشرعية كلها، الأحكام الأصولية التي يذكرها الأصوليون كلها تنطبق على النوعين.
حينئذٍ يكون حقيقة ويكون للفور ويكون للتكرار إن قلنا بالتكرار، كما سيأتي.
{يَعْنِي كَالأَمْرِ الْمُرَادِ لِلْوُجُوبِ.
فَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ هَلْ يَتَكَرَّرُ؟ قَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الأَمْرِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسَائِلِ الأَمْرِ}.
قال: (وَلَا يَلْزَمُ بِشُرُوعٍ) المندوب مطلقاً ولو تفاوتت أحكامه إن سلمنا بالفروق السابقة: السنة، والفضيلة، والرغيبة .. ونحوها، مطلقاً نقول: إذا شرع فيه هل يلزمه الإتمام أم لا؟