يعني: المندوب مطلوبٌ كما أن الواجب مطلوب الفعل، كل منهما مطلوب الفعل، ولذلك مر معنا في حد الحكم الشرعي قال: بالاقتضاء، قلنا اقتضاء ماذا؟ إما اقتضاء فعلٍ وإما اقتضاء ترك، اقتضاء الفعل هذه يدخل تحته شيئان: الواجب والمندوب.
إذاً: الواجب مستدعىً مطلوب، والمندوب مستدعىً مطلوب. فحينئذٍ صدق عليه القيد
﴿قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)) [النحل:90]، وَإِطْلاقُ الأَمْرِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالأَصْلُ: الْحَقِيقَةُ﴾ لا المجاز ﴿وَلأَنَّهُ طَاعَةٌ لامْتِثَالِ الأَمْرِ﴾.
وهذا القول هو الصحيح، ولذلك قدمه المصنف رحمه الله تعالى.
﴿وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْحَلْوَانِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْهُمْ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ مَجَازٌ﴾.
يعني: مأمور به لكنه من جهة المجاز، والدليل على ذلك قوله تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:63] قال: "يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ" أطلق الأمر، ثم رتب العقاب، ولا شك أن المراد بالأمر هنا الواجب، دل على أن ما يُرتب عليه العقاب هو الأمر، وخصه بالواجب حينئذٍ لا يصدق على المندوب، هذا وجه الاستدلال.
قالوا: في الآية الوعيد على مخالفة الأمر بما ذكر، والندب لا يستلزم ذلك ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)) [النور:63] فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر لا تجوز مخالفته، فإن خولف ترتب عليه العقاب، دل ذلك على أن كل أمر هو واجب، حينئذٍ يصدق على أن المندوب ليس مأموراً به؛ إذ لو كان المندوب مأموراً به لاستدعى العقاب المذكور وليس الأمر كذلك، فدل على أن الأمر إنما يختص حقيقة بالواجب، والمندوب إن سمي أمراً أو مأموراً به فهو على جهة المجاز.
وأجيب بأن المراد أمر الإيجاب هنا في الآية بدليل القرينة وهي قوله: ((أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)) [النور:63] يعني: رتب العقاب والعذاب، ولا يترتب العقاب والعذاب على ترك أمر إلا إذا كان واجباً.
ثم قوله: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)) [النور:63] يُخَالِفُونَ الأصل فيه أنه يتعدى بنفسه، بمعنى: ينصب مفعولاً به، يخالفون أمرَه هذا الأصل فيه، لكن قال: عن أمره؛ لأنه ضُمِّن الفعل معنى أعرض، فدل ذلك على أن العقاب هنا مرتب على من أعرض، ولا مانع أن يدخل كذلك المندوب.
وهذا توجيه للشوكاني رحمه الله تعالى وغيره.
كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: <<لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة>>، فلم يأمرهم، ودلت النصوص الأخرى على أن السواك مندوب، فدل ذلك على أن السواك ليس مأموراً به.
إذاً: المندوب ليس مأموراً به، والجواب: لأمرتهم أمر إيجاب، ونفيُ المشقة دليل على ذلك.
إذاً: هذا الحديث أخبر أنه لم يأمر به مع أنه ندبهم للسواك.