تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو أراد أن يتوب، دخل إلى الأرض المغصوبة، ثم ندم وأراد أن يرجع ويتوب، حينئذٍ يلزم من ذلك أنه سيخرج، لو كان في وسط الأرض وأراد أن يتوب .. استغفر وتاب وندم وبكى، ثم أراد أن يمشي حتى يخرج، خروجه هذا من الدار المغصوبة -الأرض المغصوبة- هذا استعمال أو حركة في ملك الغير دون إذنه، فحينئذٍ دخوله وخروجه يعتبر حركة أو استعمال لملك الغير دون إذنه، هل يستويان أم لا؟ هذا محل النزاع.

فلا شك أنه إذا دخل، بحركته أنه آثم، لماذا؟ لأنه قد تحرك أو استعمل ملك الغير دون إذنه، لكن لو تاب، هل يمكن أن يتوب دون أن يمشي ويخرج؟ لا يمكن.

حينئذٍ ماذا صنعوا؟ قالوا: (وَتَصِحُّ تَوْبَةُ خَارِجٍ مِنْهُ) يعني: لو كان في داخل الدار وتاب، تصح التوبة أو لا؟ قال: تصح.

مع كون شرط التوبة الإقلاع، هل أقلع؟ الجواب: لا لم يقلع، لكن لو قلنا بأنه لا يصح إلا بالإقلاع، فحينئذٍ لا تصح توبته في داخل الأرض، ولذلك وقع النزاع.

﴿وَتَصِحُّ تَوْبَةُ خَارِجٍ مِنْهُ أَيْ: تَوْبَةُ غَاصِبٍ لِمَكَانِ مَنْ غَصَبَهُ حَالَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَهُوَ فِيهِ قَبْلَ إِتْمَامِ خُرُوجِهِ﴾.

وهل هو عاص أم لا؟

قال: {وَلَمْ يَعْصِ بِخُرُوجِهِ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْظَمِ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ.

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لاَ يُعَدُّ وَاطِئًا بِنَزْعِهِ، فِي الإِثْمِ، بَلْ فِي التَّكْفِيرِ} يعني بالضمان مثلاً. أي: لم يختلفوا في أنه لا يأثم، وإنما اختلفوا في الكفارة.

﴿وَكَإِزَالَةِ مُحْرِمٍ طِيبًا بِيَدِهِ، أَوْ غَصَبَ عَيْنًا ثُمَّ نَدِمَ وَشَرَعَ فِي حَمْلِهَا عَلَى رَأْسِهِ إلَى صَاحِبِهَا﴾.

ثم قال: ففي هذه المواضع ارتفع الإثمُ ارتفع بالتوبة، والضمانُ باقٍ.

إذاً: الخارج من المغصوب تائباً حينئذٍ نقول: تصح منه التوبة، وهل يكون عاصياً بخروجه من هذه الأرض؟ حينئذٍ نقول: لا يكون عاصياً؛ لأنه لا يتم له التوبة على وجه الكمال والتمام إلا برفع الإثم عنه، وإلا لقلنا فعلٌ واحد منهي عنه مأمور به من جهة واحدة، لو قلنا الآن مشيه هذا .. خروجه هو شيء واحد، فعلٌ واحد بالشخص، وهذا يصح أن يكون مثالاً لما اتحدا من جهة واحدة.

وحينئذٍ إذا قلنا بأنه عاصٍ لزم ألا يكون مطيعاً وهو قد تاب، وإذا قلنا بأنه تائب مطيع لزم منه ألا يكون عاصياً، فنظراً إلى رحمة الله تعالى وعفوه وكرمه وجوده قالوا: إذاً في مثل هذه المواضع من أراد أن ينزع -مطلقاً .. مغصوب وغيره-، من أراد أن ينزِع عن محرَّم فنزعُه لا يعتبر إثماً، ولا يترتب عليه الحكم بالمعصية؛ لأنه مكمِّل للتوبة ولا تقع التوبة إلا بذلك.

﴿قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَقَدْ نَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله تعالى نَصَّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا﴾ إذا دخل فهو آثم ولا شك في ذلك.

﴿قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ، لأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْغَصْبِ﴾.

كذلك كل نازع لمعصية فحينئذٍ لا يكون آثماً، وإلا لما صحت توبته.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٢٨