تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ أَيْضًا: لَيْسَ مُرَادُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ الأَحْكَامَ عَقْلِيَّةٌ: أَنَّ الأَوْصَافَ مُسْتَقِلَّةٌ بِالأَحْكَامِ, وَلاَ أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ, أَوْ الْمُحَرِّمُ﴾، يعني: بذاته ﴿بَلْ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ كَلَّفَ بِتَرْكِ الْمَفَاسِدِ وَتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ﴾.

يعني: ربط الحكم هنا بإدراك العقل للمصالح والمفاسد، ولا شك من حيث الجملة أن الله تعالى إذا أمر بشيء إنما هو لمصلحة، وإذا نهى عن شيء فإنما هو لمفسدة.

وحينئذٍ ربطوا الحكم الشرعي بهذه المصالح والمفاسد.

فظنوا أن العقل قد يدرك المصالح دون شرع، وأن العقل قد يدرك المفاسد دون شرع، فحينئذٍ متى ما وجدت المصالح فثم حكم الله وكذلك الشأن في المفاسد.

﴿فَالْعَقْلُ أَدْرَكَ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ, لاَ أَنَّهُ أَوْجَبَ وَحَرَّمَ﴾ فرق بين العبارتين {الْعَقْلُ أَدْرَكَ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ, لاَ أَنَّهُ أَوْجَبَ وَحَرَّمَ؛ فَالنِّزَاعُ مَعَهُمْ: فِي أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَمْ لاَ.

فَخُصُومُهُمْ يَقُولُونَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى, وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ, وَهُمْ يَقُولُونَ: بَلْ هَذَا عِنْدَ الْعَقْلِ مِنْ قِبَلِ الْوَاجِبَاتِ.

فَكَمَا يُوجِبُ الْعَقْلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِيمًا قَدِيرًا مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ كَذَلِكَ أَدْرَكَ وُجُوبَ مُرَاعَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَصَالِحِ وَلِلْمَفَاسِدِ. فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ}.

فـ"حكمت المعتزلة العقل" ليس المراد أنه منشأ للأحكام ومصدر للأحكام، وإنما هو كاشف، فحينئذٍ يكون الحكم عقلياً والشرع تابع له، والحكم العقلي هنا إنما هو مرتبط بالمصالح والمفاسد التي عُلّقت بها الشريعة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة: فالصواب في المسألة إثبات الحُسن والقُبح عقلاً.

إذاً: العقل يحسّن ويقبّح مطلقاً في الأنواع الثلاثة، وقول المصنف (شَرْعِيٌّ) بمعنى: أن العقل لا يدرك الحسن فيه نظر، وأن القبح شرعيٌ بمعنى: أن العقل لا يدرك القبح نقول: هذا محل نظر، وإنما العقل: إثبات الحُسن والقبح عقلاً، ونفي التعذيب على ذلك إلا بعد بعثة الرسل، فالحسن والقبح العقلي لا يستلزم التعذيب، فنحكم على الشيء بأنه حسنٌ عقلاً لكنه لا يستلزم الإيجاب، ونحكم على الشيء بأنه قبيح عقلاً لكنه لا يستلزم التعذيب؛ لأن نفي التعذيب أو ارتباط الحكم الشرعي بالتعذيب إنما مبناه على البعثة .. على الرسالة، ونفي التعذيب على ذلك إلا بعد بعثة الرسل، فالحسن والقبح العقلي لا يستلزم التعذيب، وإنما يستلزمه مخالفة الرسل.

فسبب العقاب قائم قبل البعثة، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله؛ لأن هذا السبب قد نسب الله تعالى له شرطاً وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٣٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٣٤٤