تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذاً: نقول: (لَا يُعَارِضُ الْقُرْآنَ غَيْرُهُ بِحَالٍ) ولو ادعى مدعٍ بأن العقل قطعي والعقيدة قطعية، وظواهر النصوص -الكتاب والسنة- ظنية فلا تفيد قطعاً، نقول: لا، لو سلمنا لك ذلك بل ظواهر النصوص قد تفيد قطعاً والأمثلة الأربعة التي ذكرها المصنف حجة دامغة لهم.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلاَ مُنَاسَبَةَ ذَاتِيَّةٍ بَيْنَ لَفْظٍ وَمَدْلُولِهِ) (مُنَاسَبَةَ) يعني: مشاكلة.

عرفنا أن الواضع هو الباري جل وعلا، والوضع: هو جعل اللفظ دليلاً على المعنى .. جعل هذا اللفظ بإزاء هذا المعنى.

هل بين اللفظ .. اختيار الحروف لها مناسبة مع المعنى أم أنها هكذا ارتجالاً أُخذت الحروف ورُكّب منها كلمة ثم وضعت بمعنى أي معنى، أو نقول: ثم مناسبة بين المعنى واللفظ؟ جماهير الأصوليين وأهل اللغة على أنه لا مناسبة بين اللفظ والمعنى، يعني: ليس ثم مناسبة ذاتية .. لذات اللفظ ولذات المعنى، بل رُكِّب اللفظ مع أي معنى كان ولم يراعى فيه المناسبة.

هذا الذي عناه المصنف هنا بهذه المسألة.

(وَلاَ مُنَاسَبَةَ) ﴿أَيْ لاَ يُلْتَفَتُ إِلى اعْتِبَارِ وُجُودِ مُنَاسَبَةٍ﴾ (ذَاتِيَّةٍ) ﴿أَيْ طَبِيعِيَّةٍ﴾ (بَيْنَ لَفْظٍ وَمَدْلُولِهِ) ﴿أَيْ مَدْلُولِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ الْمَوْضُوعِ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ﴾ يعني: ما الدليل على أنه لا مناسبة؟ مر معنا أن المشترك على نوعين، قد يكون بين المعاني تضاد كـ: القُرءِ، هذا يُفسر بمعنيين: الطهر والحيض، حينئذٍ أين المناسبة؟

ليس بينهما مناسبة البتة، يعني: لو وضع اللفظ لمناسبة الطهر واستُعمل في ضده وهو الحيض، لو وضع للحيض كذلك استُعمل في ضده، دل ذلك على أنه ليس بين اللفظ والمعنى مناسبة.

﴿لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ الْمَوْضُوعِ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ كَالْقُرْءِ وَالْجَوْنِ وَنَحْوِهِمَا﴾ وهذا قد يجاب عنه بأنه مستثنى؛ لأن الأًصل: الاشتراك أو عدمه؟ الأصل عدم الاشتراك، فإذا تردد المرء في: هل هذا اللفظ مشترك أو لا؟ فالأصل عدم الاشتراك، حينئذٍ لا يستدل بما خرج عن الأصل على الأصل، فالأصل عدم الاشتراك، وعلى قوله مثلاً المناسبة واقعة .. الذاتية الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، ولا يعترض عليه بالاشتراك.

كذلك اختلاف الاسم واتحاد المسمى وهو مترادف، والمترادف كما مر معنا قول ابن القيم رحمه الله تعالى خلاف الأصل، وأكثر اللغة على عدم الترادف، حينئذٍ لا يُحتج بما خرج عن الأصل.

قال: ﴿وَإِنَّمَا اخْتَصَّ كُلُّ اسْمٍ بِمَعْنًى بِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ﴾.

يعني: أن الاختيار إنما يكون مردُّه إلى الإرادة، إن كان الباري جل وعلا: فمرده إلى محض الإرادة، وإن كان المراد على القول الثاني: أنها اصطلاحية والواضع هم البشر، كذلك مرده إلى الإرادة.

﴿وَإِنَّمَا اخْتَصَّ كُلُّ اسْمٍ بِمَعْنًى﴾ يعني: الذي رجح كون هذا اللفظ بهذا المعنى هو الإرادة المحضة، وليس ثم حكمة أو مناسبة بين اللفظ والمعنى.

﴿وَإِنَّمَا اخْتَصَّ كُلُّ اسْمٍ بِمَعْنًى بِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ﴾.

واحتجوا كذلك بصحة الوضع للشيء ونقيضه وضده على ما مر.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٣٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٣٣١