(إنْ أَمْكَنَهُ اخْتِصَارٌ فِيهَا) ﴿أَيْ: فِي فُتْيَا﴾ لكن لا يجوز: هذا ليست على ظاهرها، لا يجوز أن يُكثر الألفاظ؟ (إنْ أَمْكَنَهُ اخْتِصَارٌ فِيهَا) قد يقال أولى أن يختصر إن كان الاختصار مجدياً.
قال: {أَيْ: فِي فُتْيَا وَلا فِي شَهَادَةٍ بِلا إذْنِ مَالِكٍ قَالَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ. لا سِيَّمَا فِي الْفَتَاوَى، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا إذَا كَتَبُوا عَلَيْهَا أَطْنَبُوا، وَزَادُوا عَلَى الْمُرَادِ، بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، فَيُجِيبُ فِيهَا بِمُجَلَّدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا كَثِيرًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رحمه الله تعالى.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُتَوَجَّهُ مَعَ قَرِينَةٍ: خِلافٌ لَنَا، يَعْنِي: عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ}.
الأصل فيما ذكره: (أَوْ يُكْثِرَ إنْ أَمْكَنَهُ اخْتِصَارٌ فِيهَا).
يعني: أن يكثر الألفاظ، تكلم أو يكتب كثيراً، لو قيل: أولى الاختصار لحصول الفائدة. قد يقال به من باب الأولوية، أما أنه لا يجوز نقول: لا. ليس الأمر كذلك، والصواب الجواز.
قال رحمه الله تعالى: (بَابُ تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ، وَالتَّعَادُلِ، وَالتَّعَارُضِ، وَالتَّرْجِيحِ).
وهذه من الأبواب المهمة في أصول الفقه، وهو خاتمة الأبواب في كتب الأصول.
قال: ﴿اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الْكَلامُ فِي مَبَاحِثِ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ الأَدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا رُبَّمَا تَعَارَضَ مِنْهَا دَلِيلانِ بِاقْتِضَاءِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ﴾ هذا يدل على التحريم وهذا يدل على الإباحة.
﴿وَكَانَ مِنْ مَوْضُوعِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَضَرُورَاتِهِ: تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا﴾ يعني: من وظيفة المجتهد إذا حصل .. ، قلنا يجتهد، ينظر في الكتاب والسنة، قد يقع تعارض بين ظاهر بعض النصوص. إذاً: من وظيفته أن يعلم كيف يرتب النصوص، كيف يقدِّم بعضها على بعض.
﴿تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا اُحْتِيجَ إلَى ذِكْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ التَّرْتِيبِ وَالتَّعَادُلِ وَالتَّعَارُضِ، وَالتَّرْجِيحِ، وَحُكْمُ كُلٍّ مِنْهَا. وَذَلِكَ إنَّمَا يَقُومُ بِهِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ﴾ دون غيره فهو وظيفة له.
﴿فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْمُوَفَّقُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ بَابَ الاجْتِهَادِ عَلَى هَذَا الْبَابِ﴾.
لأنه متممٌ له، أولاً بيَّن له الاجتهاد وشروط الاجتهاد، وأنه لا بد أن يجتهد في الكتاب والسنة.
فحينئذٍ يعترضه التعارض، والتعادل، والتساوي فيحتاج إلى تقديم بعضها إلى بعض.
وبعضهم عكَس قدَّم باب الترجيح على باب الاجتهاد.
﴿وَإِنَّمَا جَازَ دُخُولُ التَّعَارُضِ فِي أَدِلَّةِ الْفِقْهِ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةً﴾.
يعني: لا تعارُض إلا بين ظنيين؛ لأن التعارض له صور: إما تعارض بين قطعيين، أو بين قطعيٍ وظني، أو بين ظني وظني.
إن كان بين قطعيين هذا لا يرِد، هذا محال.