تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما لا ينفعه كذلك الصواب أنه لا يلزمه، يعني: إن سَأل عن أشياء لم يتعلق بها علمٌ ولا عملٌ من جهة المستفتي فالأصح أنه لا يلزم المفتي الجواب، وهذا على جهة التقعيد والتأصيل.

قال هنا: {سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَمُسْلِمُونَ هُمْ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا؟ وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي اللِّعَانِ؟ فَقَالَ: سَلْ -رَحِمَك اللَّهُ- عَمَّا ابْتُلِيتَ بِهِ.

وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: خُذْ -وَيْحَكَ- فِيمَا تَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِيَّاكَ وَهَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُحْدَثَةَ، وَخُذْ مَا فِيهِ حَدِيثٌ.

وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ: لَيْتَ إنَّا نُحْسِنُ مَا جَاءَ فِيهِ الأَثَرُ}.

يعني: نتقن السنة وما جاء فيها، دون أن نأتي بهذه الأغلوطات التي لا ينتفع بها السائل.

إذاً: الحاصل: أن ما لا ينتفع به السائل وما لا يتعلق به علمٌ ولا عمل لا يجب على المفتي أن يُفتي، بل لا يُستحسن منه أن يفتي.

﴿وَلأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ﴾ وهو كذلك، وهذه سنة.

{وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ))، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ. وَفِي لَفْظٍ: <<إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ذَلِكَ>> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَفِي حَدِيثِ اللِّعَانِ فَكَرِهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كُرِهَ السُّؤَالُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ كَوْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ؛ لأَنَّ الاجْتِهَادَ إنَّمَا يُبَاحُ ضَرُورَةً، ثُمَّ رُوىَ عَنْ مُعَاذٍ: أَيُّهَا النَّاسُ: لا تُعَجِّلُوا بِالْبَلاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلاً: مَعْنَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سَأَلَك عَمَّا لا يَعْنِيهِ فَلا تُفْتِهِ.

وَسَأَلَ الْمَرْوَزِيُّ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْعَدْلِ. فَقَالَ: لا تَسْأَلْ عَنْ هَذَا، فَإِنَّك لا تُدْرِكُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاءُ عِلْمٍ لا يَحْتَمِلُهُ السَّامِعُ، لاحْتِمَالِ أَنْ يَفْتِنَهُ} وهذا يتعلق بالعامة.

يعني: لا يُفصَّل مع العامة فيما يتعلق مثلاً بذات الباري جل وعلا، وإحداث بعض المسائل التي يتكلم بها أهل البدع: قالت الجهمية، قالت المعتزلة، قالت الأشاعرة.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٨٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٨٢٤