وهو كذلك؛ لأنه هذا إن لم نجزم قد يقع في شرك الطاعة، شرك الطاعة نوعان: شركٌ أكبر وشركٌ أصغر، من سوَّى غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطلقاً فهذا شركٌ أكبر.
ولذلك قال هنا: ﴿أَنْ يُقِيمَ أَوْثَانًا فِي الْمَعْنَى﴾ هو لا يعبدها لا يسجد لها، لكنها فِي الْمَعْنَى هي أوثان ﴿تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِثْلَ: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، فَيَقُولَ: هَذَا لَيْسَ مَذْهَبُنَا﴾ هذا شركٌ.
﴿وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ، فَلا يَحْكُمُ، وَلا يُفْتِي إلاَّ بِقَوْلِهِ﴾ هذا بإجماع الصحابة.
﴿وَقِيلَ: بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذَا الأَشْهَرُ، فَلا يُقَلِّدُ غَيْرَ أَهْلِهِ﴾ وهذا باطل.
﴿وَقَالَ فِي مُصَنَّفِهِ آدَابِ الْمُفْتِي: يَجْتَهِدُ فِي أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ فَيَتَّبِعُهُ وَقَطَعَ إلْكِيَا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِلُزُومِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا كَلامُ الأَصْحَابِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ﴾.
"هذا كلام الأصحاب" يعني: التَّمذهُب .. أنه لا بد منه، وهذه نتائج المذهب أنه يلزمه اتباع مذهب معين، ﴿وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ﴾.
إذاً: عندما ما يقتضيه المذهب وعندنا ما يقتضيه الدليل.
قال رحمه الله تعالى: (وَلَا أَنْ لا يَنْتَقِلَ مِنْ مَذْهَبٍ عُمِلَ بِهِ).
يعني: لا يلزمه أيضاً أن لا ينتقل: إذا تمذْهب هل يجوز له أن يخرج أو لا يخرج؟
قلنا: أصَّلوا مسألة ثم اختلفوا في هذه المسألة.
والصواب: أنه إذا بطل الأصل حينئذٍ نقول: الفرع باطل، لكن هذا ممكن أن يقال فيمن انتحل مذهباً للتفقُّه لا للالتزام، وهذا لا إشكال فيه، بل هذا الذي ينبغي أن يعتمده طلاب العلم: وهو أنه ينتحل مذهباً للتفقُّه، وإن بان له الدليل في غيره سلكه.
وحينئذٍ يجوز له الخروج بل يجب عليه كما قال ابن تيمية أنه يخرج عن المذهب.
قال: ﴿لا يَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ لا يَنْتَقِلَ مِنْ مَذْهَبٍ عُمِلَ بِهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ﴾.
(فَيَتَخَيَّرُ فِي الصُّورَتَيْنِ) ﴿وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَلامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَغَيْرِهِ﴾.
قال: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ).
يعني في المذاهب، كلما وجد رخصة وإذا به ينتحلها، وقد يجمعها ويؤلفها.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) ﴿أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ﴾ وغيره، ليس خاصاً بالعامي بل الحكم عام. أن النفوس قد تتعلق بالرخص حتى من جهة المفتين، ولو كان من أهل العلم، نقول: هذا باطل ولا يجوز، وإنما يُتَّبع الدليل ولا يتبع الرخصة.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) ﴿أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ﴾.
(تَتَبُّعُ الرُّخَصِ) لكن لو كان مرة أراد رخصة في شيءٍ ما، هذا جوَّزه كثير من أهل العلم في مسألة ما، أما أن يكون من شأنه وديدنه تتبع الرخص هذا ممنوع؛ لأنه يؤدي إلى الزندقة والخروج عن الملة.