﴿بِخِلافِ الأَعْلَمِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: مَنْ قَلَّدَ فِي الْخَبَرِ رَجَوْتُ أَنْ يَسْلَمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى﴾ الخبر يعني: ثبوت الأخبار.
﴿فَقَدْ أَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ صَارَ إلَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ﴾.
هذا من باب التوسع، ليس المراد به المعنى الاصطلاحي؛ لأن هذه العبارات ما حُررت إلا بعد، حينئذٍ مراد الإمام أحمد التقليد يعني: المتابعة .. يطلق التقليد بمعنى أنه تابع زيداً.
قال: (وَيَحْرُمُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ).
جاء في متعلَّقات التقليد، عرفنا التقليد وما يتعلق به.
إذاً: قوله في السابق: (فَالرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا يسمى تقليداً وهو الحق.
(وَإِلَى الْمُفْتِي) قال: لا يسمى تقليداً. والصواب أنه تقليد.
(وَالْإِجْمَاعِ) يسمى تقليداً عنده والصواب أنه لا يسمى تقليدا؛ لأن الرجوع إلى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دليل، والرجوع إلى الإجماع دليل.
(وَالْقَاضِي إلَى الْعُدُولِ: لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ) هو ليس فيه حكم، ليس فيه متابعة وإنما اعتبار قولهم جزءٌ من حكمه.
قال هنا:
(وَيَحْرُمُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ).
﴿عِنْدَ أَحْمَدَ وَالأَكْثَرِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ﴾.
يعني: هل يجوز التقليد في باب التوحيد والرسالة وغيره؟
هل يجوز أن تقلد غيرك في إثبات أن الباري جل وعلا موجودٌ وأنه مستحقٌ للعبادة، وأنه يوصف بكذا وكذا، وأن النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الرسول وهو المبعث .. الخ، قال: لا يجوز، لا بد من إقامة الدليل على ذلك، وإلا لا يسمى توحيداً ولا يسمى إيماناً بالرسالة. ونسبُه إلى الجمهور.
{وَأَجَازَهُ جَمْعٌ قَالَ بَعْضُهُمْ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَتَيْنِ} أيُّ شهادتين؟ لا إله إلا الله، كانوا إذا دعَوا غيرهم دعوهم إلى قول لا إله إلا الله، ثم تركوهم يُعلَّمون على ما هم عليه، ولم يطالِبوا أحداً بإقامة دليلٍ على ذلك.
وإذا كان إجماع السلف حينئذٍ كيف يتأتى الخلاف؟
ولذلك قلنا فيما مر معنا في كتاب التوحيد وغيره: أن المسألة إجماع بين السلف أنه يُكتفى بشهادة أن لا إله إلا الله، وأنه يجوز التقليد لكن مع الجزم؛ لأن شرط المعتقد أن يكون جازماً، فإذا كان شكٌ فحينئذٍ لا يسمى اعتقاداً.
فالصواب في هذه المسألة أن يقال: بأن التقليد مطلقاً جائزٌ في باب العقيدة وفي باب الفروع.
والأدلة الدالة على الجواز هي أدلة مطلقة، ثم فِعلُ السلف دالٌ على ذلك، فاكتفوا بالشهادتين ممن دعاهم ولم يأتِ التفريق وإنما هو تفريقٌ حادث.
إذاً: الصواب أنه يجوز التقليد في ذلك، لكن إذا كان في باب المعتقد كما ذكر المثالين السابقين المصنِّف فيجب فيه الجزم.