قال الباري جل وعلا: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)) [البقرة:111] ما هو البرهان؟ الدليل.
إذاً: الأصل في النفي إذا كان حكماً فحينئذٍ يلزمه الدليل أو عليه الدليل.
(وَإِذَا حَدَثَتْ مَسْأَلَةٌ لا قَوْلَ فِيهَا، سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِيهَا) وهو كذلك.
{وَهُوَ أَفْضَلُ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: إذَا حَدَثَتْ مَسْأَلَةٌ لا قَوْلَ فِيهَا: فَلِلْمُجْتَهِدِ الاجْتِهَادُ فِيهَا وَالْفَتْوَى وَالْحُكْمُ، وَهَلْ هَذَا أَفْضَلُ، أَمْ التَّوَقُّفُ، أَمْ تَوَقُّفُهُ فِي الأُصُولِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ لَنَا، ذَكَرَهَا ابْنُ حَامِدٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الأَوْجُهَ فِي الْجَوَازِ، وَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ: مَنْ قَالَ: الإِيمَانُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ: مُبْتَدِعٌ وَيُهْجَرُ.
وَقَدَّمَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلافِ فِي الأَفْضَلِيَّةِ، لا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلامِ الْمُوَقِّعِينَ -بَعْدَ أَنْ حَكَى الأَقْوَالَ-: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَيَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَهْلِيَّةُ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ، فَإِنْ عُدِمَ الأَمْرَانِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدَهُمَا دُونَ الآخَرِ: احْتَمَلَ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ، وَالتَّفْصِيلُ، فَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ دُونَ عَدَمِهَا}.
يعني: تعتريه الأحكام، يمكن أن يقال بأنه مندوبٌ، يمكن أن يقال بأنه مباح، ويمكن أن يقال بأنه واجب .. بحسب الوقائع.
إذاً: إذا حدثت مسألة وليس فيها قولٌ، فحينئذٍ لا بأس أن يجتهد فيها المجتهد، فإن كان أهلاً فالأفضل في حقه أن يجتهد، وإن لم يكن أهلاً فحينئذٍ يمتنع عليه أن يجتهد.
قال: (بَابٌ التَّقْلِيدُ لُغَةً).
﴿لَمَّا كَانَ التَّقْلِيدُ مُقَابِلاً لِلاجْتِهَادِ﴾.
لأن الناس قِسمان -قسَّمهم الباري جل وعلا-: إما مقلِّد وإما مجتهد ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [النحل:43] قسمة ثنائية .. هذا وذاك ليس بينهما ثالث: إما مقلِّد وإما مجتهد.
قال: ﴿لَمَّا كَانَ التَّقْلِيدُ مُقَابِلاً لِلاجْتِهَادِ وَانْتَهَى الْكَلامُ عَلَى أَحْكَامِ الاجْتِهَادِ شَرَعْنَا فِي الْكَلامِ عَلَى أَحْكَامِ التَّقْلِيدِ﴾.
قال رحمه الله تعالى: (التَّقْلِيدُ لُغَةً).
تفعيل مصدر من قلَّد يقلد تقليداً وهو في المعنى: (وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ) من دابة أو غيرها.
حال كونه (مُحِيطًا بِهِ) فإن لم يكن محيطاً فلا يسمى تقليداً، لا بد أن يكون محيطاً.
(مُحِيطًا بِهِ) ﴿أَيْ: بِالْعُنُقِ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلادَةً. وَجَمْعُهَا قَلائِدُ﴾.
هذا في المعنى اللغوي، وهو موجودٌ في المعنى الاصطلاحي؛ لأن المقلِّد يتَّبع إمامه كأنه قلَّده وجرَّه معه.
(وَعُرْفًا) ﴿أَيْ: فِي عُرْفِ الأُصُولِيِّينَ﴾.
(أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ) .. (أَخْذُ) يعني: اعتقاد.
(أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ) دخول "أل" على غير هذا منتقَد عند النحاة.
﴿أَيْ: اعْتِقَادُ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ﴾ يعتقد صحة هذا المذهب ويتَّبعه عليه.