قال هنا: (وَإِنْ عَمِلَ بِفُتْيَاهُ فِي إتْلَافِ فَبَانَ خَطَؤُهُ قَطْعًا ضَمِنَهُ) يعني: ﴿ضَمِنَ الْمُفْتِي مَا أَتْلَفَهُ الْمُسْتَفْتِي بِمُقْتَضَى فُتْيَاهُ﴾.
(وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا).
نعم، وهذا نسلِّم به.
إن لم يكن أهلاً فقال: تركتُ كذا. قال: عليك دم. يجب عليه أن يضمن.
قال: (وَكَذَا) ﴿يَضْمَنُ﴾ (إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا) ﴿لِلْفُتْيَا عَلَى الصَّحِيحِ، خِلافًا لأَبِي إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجَمْعٍ، بَلْ أَوْلَى بِالضَّمَانِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا﴾.
قال في التحبير: قلتُ: الذي ينبغي أن يُنظر -هذا وجهٌ آخر- إن كان المستفتي يعلم أنه ليس أهلاً للفتيا واستفتاه لم يضمن؛ لأنه الجاني على نفسه، وإن لم يعلم ضمِن المفتي.
وهذا القول بالتفصيل هو قريب، لكنه أيضاً فيه فساد؛ لأنه إذا كان يعلم المستفتي بأن هذا ليس بأهل واستفتاه، من الذي أذن للمفتي أن يفتي؟ فالنظر من جانب المستفتي فحينئذٍ نقول: هذا فيه تحميلٌ له دون المجتهد وهو الذي أفتى.
يقول المرداوي: إذا كان المستفتي يعلم بأن المفتي ليس أهلاً فجاء فاستفتاه، قال: عليك دم. حينئذٍ لا يضمن، ولو لم يكن أهلاً للاجتهاد؛ لأنه هو الذي فرَّط، نقول: لا، الحكم هنا مستفتي ومفتي كالحكم مع الإمام والمأموم، حكمٌ مركب من الاثنين.
فلا يجوز ولو كان متساهلاً المستفتي لا يجوز للمفتي أن يفتي دون أن يكون أهلاً.
﴿قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ، وَغَيْرُهُ: لَوْ عُمِلَ بِفَتْوَاهُ فِي إتْلافٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ أَخْطَأَ. فَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ الْقَاطِعَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ خَالَفَ الْقَاطِعَ ضَمِنَ﴾.
هذا التفصيل الذي نعتقده.
قال رحمه الله تعالى: (وَيَحْرُمُ تَقْلِيدٌ عَلَى مُجْتَهِدٍ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ) ﴿اتِّفَاقًا﴾.
نعم. مجتهد فرضُه الاجتهاد، ويحرُم عليه التقليد.
المجتهد إذا اجتهد فأداه اجتهاده إلى حكمٍ فهو ممنوعٌ من تقليدٍ لمجتهدٍ آخر اتفاقاً، لا يجوز له أن يقلِّد غيره.
وأما أن يجتهد فهل هو ممنوعٌ أم لا؟ الصحيح أنه ممنوع.
قال هنا: ﴿وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ فَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ﴾.
يعني: المجتهد بالفعل ومجتهد بالقوة.
مجتهد بالفعل يعني: نظر في المسألة وحصلت له النتيجة، ترك قوله وقلَّد عالماً آخر، يجوز؟ لا يجوز.
"مجتهدٌ بالقوة" قال: ما أريد أن أبحث ويستطيع لكن قلَّد غيره، يجوز أن يقلِّد؟ لا يجوز.
في الحالتين سواء كان مجتهداً بالفعل نتج عنده النتيجة أو كان بالقوة قادراً على النظر، فحينئذٍ لا يجوز له أن يقلّد غيره إلا في حالة ضرورة فيجوز له أن يقلد غيره، كما لو لم يكن ثَم وقتٌ عنده للنظر ونحو ذلك.
أما بعد الاجتهاد فهذا حكى عليه الاتفاق: (وَيَحْرُمُ تَقْلِيدٌ عَلَى مُجْتَهِدٍ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ) هذا مجتهد بالفعل. قال: ﴿اتِّفَاقًا﴾.