تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ: لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَكُتُبُ أَصْحَابِنَا مَمْلُوءَةٌ مِنْهُ كَابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ وَغَيْرِهِمَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ} بالاستحسان في بعض الصور، وذكر له أمثلة ﴿أَسْتَحْسِنُ الْمُتْعَةَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا﴾ المتعة المراد بمتعة الطلاق، ((وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة:241] فحينئذٍ حددها، لم يَرِد في النص، قال: أستحسن أنها ثلاثون درهماً.

{وَالأَشْهَرُ عَنْهُ: إنْكَارُ اسْتِحْسَانٍ وَقَالَهُ أَصْحَابُهُ.

وَقَالَ} الجملة المعروفة التي أصبحت قاعدة ﴿مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ﴾ هذه القاعدة هي المقدَّمة في باب الاستحسان.

مَنْ اسْتَحْسَنَ يعني: رأى شيئاً حسناً، ولم يقم عليه دليلٌ لا من قول الله تعالى ولا من قول رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا إجماع ولا قياس صحيح فَقَدْ شَرَّعَ، وهو كذلك.

إذ لا حكم في حادثة إلا بوحيٍ.

والرأي المحض المجرد عن الوحي هذا تشريعٌ مباينٌ للتشريع الحق.

﴿مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ -بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ- أَيْ نَصَبَ شَرْعًا عَلَى خِلافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَأَنْكَرَهُ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ﴾.

توسعوا في باب الاستحسان.

﴿وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: إنْكَارُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ: نَسْتَحْسِنُ هَذَا وَنَدَعُ الْقِيَاسَ﴾ ما يسمى بماذا؟ ما خرج عن القياس.

﴿فَنَدَعُ مَا نَزْعُمُهُ الْحَقَّ بِالاسْتِحْسَانِ، وَأَنَا أَذْهَبُ إلَى كُلِّ حَدِيثٍ جَاءَ، وَلا أَقِيسُ عَلَيْهِ﴾.

هذا الأصل فيه، حتى القياس الأصل فيه عدمُه

﴿قَالَ الْقَاضِي: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِهِ﴾ إبطال الاستحسان، وهو كذلك {وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنْكَرَ مَا لا دَلِيلَ لَهُ، قَالَ: وَمَعْنَى أَذْهَبُ إلَى مَا جَاءَ وَلا أَقِيسُ أَيْ: أَتْرُكُ الْقِيَاسَ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ الاسْتِحْسَانُ بِالدَّلِيلِ.

وَأَوَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَلامَ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، لَكِنَّهُ سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا؛ لأَنَّهُ عَدَّهُ حَسَنًا}.

يعني الشافعي قرَّر قاعدة: من استحسن فقد شرَّع، ثم جاء في بعض المسائل استحسن فيها وعبَّر فيها بالاستحسان، كيف نجمع؟ هو أبطل الاستحسان، وكذلك الإمام أحمد أبطل الاستحسان.

حينئذٍ نقول: قال رأياً بدليل وعبَّر عنه بكونه حسناً تزكيةً لهذا الرأي. وهذا جيد.

(وَهُو َلُغَةً) ﴿أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ﴾ (اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا).

﴿وَفِي عُرْفِ الأُصُولِيِّينَ (الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ) خَاصٍّ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ﴾ من كتابٍ أو سنة.

وعلى هذا التعريف لا إشكال فيه، الاستحسان إما أن يكون لا على دليل فهو باطل، وإما أن يكون بدليل فهذا لا إشكال فيه، حتى تسميته استحساناً هذا فيه شيءٌ من النظر؛ لأنه قولٌ بموجبٍ وهو كتابٍ أو سنة.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٧٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٧٣٤