﴿أَوْ لا أَعْلَمُ فَإِذَا ضَايَقَهُ أَلْجَأَهُ إلَى الْجَوَابِ، أَوْ بَانَ جَهْلُهُ بِتَحْقِيقِ الْجَوَابِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ بِالتَّعْرِيضِ لِمَنْ سَأَلَهُ بِالإِفْصَاحِ، فَإِذَا سَأَلَهُ السَّائِلُ بِالإِفْصَاحِ لَمْ يَقْنَعْ بِالْجَوَابِ إلاَّ بِالإِفْصَاحِ﴾.
وأما التعريض حرَّمه بعض أهل العلم، ولعلَّه يرد كذا، هذا كلُّه لا يُغني.
قال: (وَلِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ) ﴿لِلْمُجِيبِ إذَا أَجَابَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ حِكْمَتُهُ﴾ (لِمَ ذَاكَ؟) يعني: له أن يسأل عن العِلَّة.
(فَإِنْ قَالَ) ﴿الْمُجِيبُ﴾ (لِأَنَّهُ لا فَرْقَ قَالَ) ﴿السَّائِلُ:﴾ (دَعْوَاك لِعَدَمِ الْفَرْقِ كَدَعْوَاك لِلْجَمْعِ) لا فرق كدعواك الجمعَ.
(وَنُخَالِفُك فِيهِمَا) يعني: في الجمع وفي الفرق.
(فَإِنْ قَالَ) ﴿الْمُجِيبُ﴾ (لا أَجِدُ فَرْقًا قَالَ) ﴿السَّائِلُ:﴾ (لَيْسَ كُلُّ مَا لَمْ تَجِدْهُ يَكُونُ بَاطِلًا) لا أجد فرقاً، إذاً: الشيء الذي لم تجده معناه أنه باطل؟ لا، لا يستلزم البطلان.
﴿وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُجِيبُ: لَوْ جَازَ كَذَا لَجَازَ كَذَا، فَهُوَ كَقَوْلِ السَّائِلِ: إذَا كَانَ كَذَا، فَلِمَ لا يَجُوزُ كَذَا؟ إلاَّ أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِلَّةِ الْمُوَافِقَةِ بَيْنَهُمَا؛ لأَنَّهُ مِنْ فَرْضِ الْمُجِيبِ، وَيَلْزَمُ الْمُجِيبَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ﴾.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَيُشْتَرَطُ انْتِمَاءُ سَائِلٍ إِلَى مَذْهَبِ ذِي مَذْهَبٍ لِلضَّبْطِ).
يعني: السائل الذي يريد أن يناقِش وأن يأتي بمسائل العلم من أجل إثبات الحق ودفع الشبهة.
(يُشْتَرَطُ انْتِمَاءُ سَائِلٍ إلَى مَذْهَبِ ذِي مَذْهَبٍ لِلضَّبْطِ) يعني: من المذاهب المشهورة
﴿قَالَهُ الْجَوْزِيُّ وَالْفَخْرُ، وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ الأَلْيَقُ بِحَالِهِ التَّجَرُّدَ عَنْ الْمَذَاهِبِ﴾ لكن هنا أرادوا ألا تنتشر المناظرة؛ لأن الأربعة اتفقوا في الجملة على الأدلة، حينئذٍ إذا افترقا: أحدُهما يثبت الإجماع والآخر ينفي الإجماع .. انتشرت المسألة، حيث يقول: أنا لا أؤمن بالإجماع، فيحتاج إلى تقرير أن الإجماع حجة ونحو ذلك.
قال: (وَأَنْ لا يَسْأَلَ عَنْ أَمْرٍ جَلِيٍّ، فَيَكُونَ مُعَانِدًا).
وإنما يسأل عن ما هو خفيٌ ويمكن أن يقع فيه النزاع.
﴿قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي الإِيضَاحِ: وَيَلْزَمُهُ الانْتِمَاءُ إلَى مَذْهَبِ ذِي مَذْهَبٍ صِيَانَةً لِلْكَلامِ عَنْ النَّشْرِ الَّذِي لا يُجْدِي﴾ يعني: الانتشار.
﴿فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا ذَكَرَ مَثَلاً الإِجْمَاعَ دَلِيلاً فَلا فَائِدَةَ مِنْ تَمْكِينِ السَّائِلِ مِنْ مُمَانَعَةِ كَوْنِهِ حُجَّةً﴾ لو ذكر المجيب قال: للإجماع، قال السائل: لا. لا أؤمن بأنه دليلٌ شرعي.
حينئذٍ تسليماً أو فكَّاً لهذا الانتشار اشتُرِط أن يكون صاحب مذهب.
﴿فَلا فَائِدَةَ مِنْ تَمْكِينِ السَّائِلِ مِنْ مُمَانَعَةِ كَوْنِهِ حُجَّةً بَعْدَمَا اتَّفَقَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ﴾.