لأنه إن كان المراد به القياس يحرِّر لك القياس، ليس كل وصفٍ يصح تعليق الحكم به، فحينئذٍ إذا ادَّعى مدعٍ بأن هذا وصف، ما الذي يحرِّر لنا أن هذا الوصف هو في محله أو لا؟ بالأسئلة والاعتراضات التي مرت معنا.
﴿وَقَالَ أَيْضًا: أَوَّلُ مَا تَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِهِ: حُسْنُ الْقَصْدِ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ طَلَبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى﴾ إذاً المراد بالجدل: إظهار الحق.
﴿فَإِنْ آنَسَ مِنْ نَفْسِهِ الْحَيْدَ عَنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ فَلْيَكُفَّهَا بِجَهْدِهِ، فَإِنْ مَلَكَهَا، وَإِلاَّ فَلْيَتْرُكْ الْمُنَاظَرَةَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ﴾ يعني: إن وَجد نيةً صالحة في الجدل وهو إظهار الحق، حينئذٍ فليستعن بالله، وإلا فليجاهد، فإن لم يتمكن فلينصرف. يعني: يترك المناظرة.
قال: ﴿وَلْيَتَّقِ السِّبَابَ وَالْمُنَافَرَةَ فَإِنَّهُمَا يَضَعَانِ الْقَدْرَ، وَيُكْسِبَانِ الْوِزْرَ، وَإِنْ زَلَّ خَصْمُهُ فَلْيُوقِفْهُ عَلَى زَلَلِهِ، غَيْرَ مُخْجِلٍ لَهُ بِالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَصَرَّ أَمْسَكَ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّلَلُ مِمَّا يُحَاذِرُ اسْتِقْرَارَهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ، فَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى الصَّوَابِ فِيهِ بِأَلْطَفِ الْوُجُوهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ﴾.
يعني: قد يكون ثَم زللٌ من المجادل لا ينتبه له السامع، فلا بد من التنبيه، ينبِّه المجادل وينبه السامع على ذلك.
قال: ﴿وَيَدُلُّ عَلَى الأَمْرِ بِهِ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))﴾ وهذا أمرٌ.
﴿وَقَالَ تَعَالَى ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، وَقَالَ تَعَالَى: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))﴾.
((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)) دليلَكم ((إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) في دعواكم.
(وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ) ﴿رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، كَابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا جَادَلَ الْخَوَارِجَ وَالْحَرُورِيَّةَ، وَرَجَعَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَفَعَلَهُ السَّلَفُ أَيْضًا كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله تعالى فَإِنَّهُ جَادَلَ الْخَوَارِجَ أَيْضًا. ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ﴾.
إذاً: ورد عن الصحابة وورد عن السلف، فالمنع منه مطلقاً هذا مخالِف لظاهر الكتاب ومخالف لظاهر السنة، ومخالف لفعل الصحابة وفعل السلف، فإذا وقع نزاعٌ في مسائل ما فالجدل فيها بشروطه وآدابه هذا مأمورٌ به شرعاً؛ من أجل إحقاق الحق، وليس كلما نُوقِش في مسائل علمية قيل: هذا مخالفٌ، وهذا يورِث الضغينة .. إلى آخره نقول: لا، لا بد من ضوابط معينة، من تكلم فإنما يتكلم لأجل إظهار الحق، حينئذٍ لا يُمنع مطلقاً ولا يُفتح مطلقاً.
قال: (فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ وَالْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ) هذا ممنوع.