إذاً: ﴿حَمَلَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا، وَابْنُ رَجَبٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْحَثْ عَنْ الدَّلِيلِ، أَوْ لَمْ يُحَصِّلْ شُرُوطَهُ﴾ وهو كذلك.
(وَوُقُوعُهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ قَطْعِيٌّ) يعني: الدليل الدال على وقوع القياس قال: (قَطْعِيٌّ) وهذا إذا اعتبرنا أن الإجماع هو الدال، وأن الإجماع قطعي، مر معنا أن الإجماع نوعان: إجماعٌ قطعيٌ وإجماعٌ ظني.
حينئذٍ ما كان ثابتاً بالإجماع القطعي فحينئذٍ يكون الحكم قطعياً.
فإذا كان إجماع الصحابة قطعياً بأنهم قد استعملوا القياس، فحينئذٍ يكون القياس قد ثبت بدليلٍ قطعي فهو قطعي.
وإن كان اعتبرناه ظنياً -وهو الظاهر والله أعلم- حينئذٍ يكون ثبت القياس بدليلٍ ظني.
والمشكلة عندهم: أن أصل القواعد الأصولية لا تكون إلا قطعية، فحينئذٍ إذا كان القياس أصل من الأصول المعتمدة كيف ثبت بدليلٍ ظني؟ يبقى عندهم إشكال.
نحن نقول: لا يُشترط في القواعد الأصولية أن تكون مقطوعة بها، خلافاً للشاطبي في الموافقات وغيره، وإنما يكون النظر في الدليل وما دل عليه، وأما القطع والظن فهذا الظاهر والله أعلم أنه يختلف باختلاف الأشخاص، ويختلف باختلاف الأزمان. فليس عندنا شيء مقطوع به إلا ما نُقل بأن الصحابة أجمعوا عليه إجماعاً قطعياً كمسائل المعتقَد.
وأما ثمرة الإجماع وثمرة القياس فهي مسائل عملية، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ لا نشترط أن يكون القياس قد ثبت بدليلٍ قطعي.
(وَوُقُوعُهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ) يعني: بدليل الشرع.
(قَطْعِيٌّ) ﴿عِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ﴾.
لثبوته بإجماع الصحابة، لكن الإجماع هم ينازعون فيه، هو إجماع ثابت لا شك لكن هل هو قطعيٌ أم لا؟
﴿وَفِي كَلاَمِهِمْ أَيْضًا: أَنَّهُ ظَنِّيٌّ﴾.
ومثار البحث هنا من أجل كون القياس أصلاً عند الأصوليين، وحينئذٍ الأصل فيه أنه لا يكون إلا قطعياً، ولذلك نظروا في هذه المسألة واختاروا أنه قطعي، ولذلك لو نُظِر فيها باعتبار ما هي مسألة لما كان فيه شيءٌ من القطعي على طريقتهم.
قال: (وَهُوَ حُجَّةٌ).
﴿وَهُوَ أَيْ: الْقِيَاسُ حُجَّةٌ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ﴾.
وقع شرعاً، الوقوع هل يستلزم الحجيَّة؟ قطعاً يستلزم الحجية، وقع كيف وقع؟ هو دليل، هو ليس بمسألة حتى يقال: حكم قطعيٌ أو ظني من حيث هو، وإنما هو دليل يعني: لو رُكِّب دليل: مقدمة صغرى مقدمة كبرى نتيجة.
إذاً: هو واقع، إذاً: وقعَ على أي شيء؟ وقع لكونه حجة، وهذا من باب التنصيص فحسب.
(وَهُوَ حُجَّةٌ) ﴿أَيْ: الْقِيَاسُ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ احْتَجَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ بِقَوْلِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى﴾ بقول أحمد! جاء في الكتاب وجاء في السنة وجاء إجماع الصحابة، وليس القضية مرتبطة بشخصٍ فحسب.
﴿لاَ يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ الْقِيَاسِ﴾ هكذا قال الإمام أحمد.
﴿وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنْهُ، فَقَالَ: ضَرُورَةٌ، وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ﴾.
ضرورة يعني: متى يُلجأ إليها؟ عند عدم النص.