والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب: إما بالتنقيح، وإما بالتخريج، وإما بالتحقيق.
هو عرَّف المناط أولاً وبيَّن أنه متعلَّق الحكم، ثم بين لنا مسألة مهمة وهي الاجتهاد في العلة .. الاجتهاد في العلة ثلاثة أضرب، ليس كل اجتهادٍ في العلة يكون قياساً.
ولذلك أثبت بعض من أنكر القياس بعض هذه الاجتهادات كابن حزم وغيره.
فتنقيح المناط مثلاً هذا لا شك أنه ليس بقياس، وتحقيق المناط هذا أعم من القياس.
إذاً: الاجتهاد في العلة بمعنى أن يبيِّن الأحكام المتعلقة بالعلة. هذه ثلاثة أضرب، هل كل اجتهادٍ في العلة قياس؟ الجواب: لا.
قال: ﴿وَتَنْقِيحُهُ: تَخْلِيصُهُ وَتَهْذِيبُهُ، يُقَالُ: نَقَّحْتُ الْعَظْمَ: إذَا اسْتَخْرَجْتُ مُخَّهُ﴾.
وهو الاجتهاد في تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به وأضافه إليه.
التنقيح: تخليصه وتهذيبه. يعني: تأتي أوصاف وتحتاج إلى تهذيب وإلى تخليص، ما هو الوصف المناسب الذي علَّق عليه الحكم الشرعي؛ لأنه مر معنا أن الوصف أعم من المناط، هذه فائدة مهمة.
الوصف أعم من المناط، إذاً: ليس كل وصفٍ يكون مناطاً، كيف نعيِّن هذا الوصف؟ نُعيِّنهُ بالتنقيح وهو أن يحصل تخليص وتهذيب.
الاجتهاد في تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به وأضافه إليه، مع وجود أوصافٍ أخرى.
قال: ﴿وَتَخْرِيجُهُ: اسْتِنْبَاطُهُ﴾ التخريج واضح أنه استنباط يعني: استخراج.
﴿أَيْ: اسْتِخْرَاجُ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ. وَهُوَ إضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارْعُ لِعِلَّتِهِ إلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ﴾.
الاستخراج يُستعمل فيه سائر مسالك العلة .. الأنواع السابقة؛ لأن المراد بمسالك العلة: كيف نستخرج ونستنبط العلة؟ وحينئذٍ تخريج المناط بمعنى استخراجه بأيِّ وسيلة مما مضى.
إذاً: فرقٌ بين التخريج والتنقيح، التنقيح هو وجود عِدة أوصاف، فيأتي المجتهد ينظر في هذه الأوصاف فيُلغي ما لا يصلح للتعليل، ويثبت ما يصلح للتعليل.
إذاً: ليس عنده استخراج، وإنما عنده تنقيح فحسب.
قال: (وَتَحْقِيقُهُ) الثالث هذا، تحقيق المناط وهو الذي أراده هنا.
(إثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ صُوَرِهَا) يعني: إثبات العلة في الفرع، هل هي موجودة أم لا؟ يعني: انتهى من قضية الاشتباه بالأوصاف يعني: نقَّح ثم عيَّن السبب، بعدما استنبط، ثم نظر نظراً ثالثاً وهو: هل هذه العلة متحققة في الفرع أم لا؟ كالنبيذ بالنسبة للإسكار.
(وَتَحْقِيقُهُ) ﴿أَيْ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ﴾.
(إثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ صُوَرِهَا) يعني: في آحاد فروعها.
تحقيق العلة في الفرع ﴿بِالنَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِهَا فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا﴾.
(فَإِنْ عُلِمَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ) يعني: فيحقق المجتهد وجود تلك العلة في الفرع كالعلم بأن السرقة هي مناط القطع، فيحقق وجودها في النباش؛ لأخذه الكفن من حرزِ مثلِه.
قال هنا: (فَإِنْ عُلِمَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اُحْتُجَّ بِهِ) بماذا؟ بالتحقيق.