تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل يمكن أن يستمر العقل على ذلك؟ نقول: لا. لو تأمل أدنى تأمُّل لوجد أن ما جاء به الشرع هو المُعْتَبر وهو الوصف المناسب سواءٌ ظهر له أو لا؛ لأن المناسب قد تخفى مناسبته.

على كلٍ هذا الذي شاع عند الأصوليين: أن الغريب وصفٌ لم يعتبره الشارع، بل ألغاه، والمثال واضحٌ بيّن بأن جعْل الصوم كفارة للملك ونحوه ممن يقدر على العتق بأنه ملغى. نقول: هذا وصفٌ غريبٌ لم يعتبره الشارع.

لكن المصنف هنا جرى على ما سبق قال: (وَإِلاَّ فَغَرِيبٌ).

﴿يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، فَيُسَمَّى غَرِيبًا﴾.

يعني: الشرع جاء بترتُّب الحكم على الوصف في الثلاثة: المؤثر، والملائم، والغريب. اعتبرهم الشارع.

إذاً: هذه أول مخالفة.

ثانياً: الفرق بين الملائم والمؤثر والغريب هو: الاعتبار بنصٍ أو إجماع.

حينئذٍ الغريب يدخل فيه ما اعتبره الشارع واستنبط أهل العلم العلة المستنبطة بالاجتهاد، فلا تكون ثابتة بنصٍ ولا إجماع.

ولذلك مثَّل بالتعليل بالإسكار، كيف التعليل بالإسكار؟ هذا وصفٌ مناسب اعتبره الشارع! لكنها عِلَّةٌ مستنبطة، هو جعل الفرق بين الأنواع الثلاث: النص والإجماع.

فالفرق بين المؤثر والملائم والغريب: أن المؤثر والملائم اعتُبر الوصف بنصٍ جاء التنصيص عليه أو الإجماع، فإن لم يأت نصٌ ولا إجماع ورتَّب الشارع .. انظر شهد له الشارع بترتب الحكم على الوصف، ولكن العلة ثابتة لا بنصٍ ولا بإجماع بل باستنباطٍ، هذا يسمى غريباً عند المصنف.

وأما الفرق بين المؤثر والملائم فاشتركا في ترتُّب الحكم على الوصف فقط، وأن كلاً منهما ثابتٌ بنصٍ أو إجماع إلا أن المؤثر عينٌ في عينٍ، وما عداه .. الثلاثة الأنواع هي أربعة تصورات: عينٌ في عين. هذا خاصٌ بالمؤثر.

ما عداه من الأنواع الثلاثة فهو بالملائم، واشتركا في أن كلاً منهما ثبت اعتباره بالشرع بنصٍ أو إجماع.

فإن ثبت اعتباره بأن جاء الشرع ورتَّب الحكم الشرعي على هذا الوصف .. جاء النص، ولم يدل على ذلك نصٌ ولا إجماع قال: هذا هو الغريب.

ولذلك قال: (وَإِلاَّ فَغَرِيبٌ) ﴿يَعْنِي: وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، فَيُسَمَّى غَرِيبًا﴾ وهذا خلاف ما عليه جمهور الأصوليين.

الغريب عند الأصوليين: هو الوصف الذي لم يعتبره الشارع بل ألغاه. كالمثال السابق.

قال: ﴿مِثَالُ ذَلِكَ: التَّعْلِيلُ بِالإِسْكَارِ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ نَصٍّ بِعِلِّيَّةِ الإِسْكَارِ﴾ يعني: العلة مستنبطة.

يعني: بالنظر إلى: حرَّمتُ الخمر لا بالنظر إلى النص: <<كل مسكرٍ حرام>> كأنه قال: المسألة تقديرية.

فحينئذٍ إذا نظرنا إلى النص: حرَّمتُ الخمر، استنبط أهل العلم العلة الإسكار، هذا ما نوعه؟ يسمى عند المصنف غريباً؛ لأن هذا الإسكار لم يشهد له نصٌ ولا إجماع، وإنما هي عِلَّةٌ مستنبطة بالاجتهاد، يسمى غريباً.

قال هنا: ﴿التَّعْلِيلُ بِالإِسْكَارِ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ﴾.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٥٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٥٦٣