يعني: نظر المجتهد .. السبر والتقسيم انتهى، فحينئذٍ إذا كان ثم مناظرة وأرد تمحيص وتحقيق العلة فقال المدعي أو المناظر أو المستدل: هذا سبرتُ، حينئذٍ قال هنا: (يَكْفِي الْمُنَاظِرَ بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ) يعني: أنه نظر في هذه الأوصاف في الأصل فجمَع ما يمكن أن يكون وصفاً، ثم يُلغي.
يحتمل أن وصفاً لم يقف عليه المستدل السابق، يحتمل أنه نظر إلى النص فوجد فيه وصفين وغفل عن الثالث، فحينئذٍ يكفيه في المناظرة أن يقول: بحثت فلم أجد إلا هذا، أو يقول: الأصل العدم؛ فيستدل بالبراءة الأصلية. يكفيه ذلك، ويحصل له النجاة من الاعتراض.
(وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ) يعني: قول المستدل ﴿فِي بَيَانِ الْحَصْرِ إذَا مُنِعَ﴾ قال له مثلاً: أنت قلت ثلاثة أوصاف والصواب: لا، زيادة على ذلك.
يكفيه ﴿إِذَا مُنِعَ أَنْ يَقُولَ﴾: (بَحَثْتُ) يعني: من طرق نفي العلة (فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ) يعني: غير هذا الوصف.
(أَوْ) ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ دليلاً آخر أو جواباً ثانياً: (الْأَصْلُ عَدَمُهُ) ﴿أَيْ عَدَمُ غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ﴾.
فحينئذٍ سلِم ﴿وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لأَنَّهُ ثِقَةٌ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ﴾ غلب على الظن انتفاء ما سواء المذكور فإنه يحصل ظن الحصر فيما ذكره.
﴿وَلأَنَّ الأَوْصَافَ الْعَقْلِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ لَوْ كَانَتْ﴾ يعني: لو وُجدت ﴿لَمَا خَفِيَتْ عَلَى الْبَاحِثِ عَنْهَا﴾.
إذاً: إذا ادعى إثبات العلة بالسبر والتقسيم، فاعترض عليه معترضٌ بأنه بقي وصفٌ لم تقف عليه، بماذا يجيب؟ يجيب: بحثتُ فلم أجد غير ما ذكر، أو الأصل عدم الوصف فيما زاد على ما ذكرتُه؛ لأنك ادعيت وصفاً وأنا ادعيت عدمه، ما هو الأصل؟ الأصل العدم. فحينئذٍ يستمسك به ويكفيه ذلك. يعني: يُقبل قوله.
﴿مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَوِيَّةِ: بَحَثْتُ عَنْ أَوْصَافِ الْبُرِّ، فَمَا وَجَدْتُ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلرِّبَوِيَّةِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، إلاَّ الطُّعْمَ أَوْ الْقُوتَ أَوْ الْكَيْلَ﴾ هذه ثلاثة أوصاف .. حصَر.
﴿لَكِنَّ الطُّعْمَ وَالْقُوتَ لا يَصْلُحُ﴾ هذا إبطال ﴿لِذَلِكَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، فَيَتَعَيَّنُ الْكَيْلُ﴾.
هذا حصرٌ وإبطال، حصَر الأوصاف المحتملة: إما هذا، وإما هذا، وإما ذاك. ثلاثة احتمالات، فأبطل القوت والطعم فتعين حينئذٍ أن تكون العلة هي الكيل.
﴿أَوْ يَقُولَ: الأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا. فَإِنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الظَّنُّ الْمَقْصُودُ﴾.
هذا جواب المستدل، لكن قد يكون المعترض .. قد يثبت وصفاً وقد يسكت، لو سكت المعترض لا إشكال فيه .. نجا المستدل، لكن لو أثبت وصفاً قال: بقي عليك وصفٌ كذا، فحينئذٍ لا بد من النظر.
(فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ لَزِمَ إبْطَالُهُ) يعني: إن قال: بقي عليك وصفٌ رابع، فلا بد أن يبطله أو يسلِّم به، فإن لم يبطله حينئذٍ صار نقضاً له. وإن أبطله قُبل يعني سلِم.