يعني: لا بد من جعله متعلقاً بأحكام الجمعة ليكون السياق واحداً.
﴿لَكَانَ ذِكْرُهُ لاغِيًا، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِأَحْكَامِ الْجُمُعَةِ﴾.
فلا بد أن نجعل الكلام في سياق واحد، ولا نأتي بهذه الجملة ونجعلها ناشز.
﴿وَلَوْ لَمْ يُعَلَّلْ النَّهْيُ عَنْ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ اضْطِرَابَ الْمِزَاجِ الْمُقْتَضِي تَشْوِيشَ الْفِكْرِ، الْمُفْضِيَ إلَى الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ غَالِبًا: لَكَانَ ذِكْرُهُ لاغِيًا﴾ هذه كلها لوازم.
بتضمين الغضب اضطراب المزاج.
﴿الْمُقْتَضِي﴾ يعني: اضطراب المزاج، المقتضي ماذا؟ ﴿تَشْوِيشَ الْفِكْرِ، الْمُفْضِيَ﴾ تشويش الفكر ﴿إلَى الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ﴾ المشغول لا يُشغل، إذا كان ذهنه مشغول ..
قال: ﴿لَكَانَ ذِكْرُهُ لاغِيًا؛ إذْ الْبَيْعُ وَالْقَضَاءُ لا يُمْنَعَانِ مُطْلَقًا﴾ وهو كذلك ((وَذَرُوا الْبَيْعَ)) مطلقاً؟ لا. مع أنه جاء في النص هنا مطلقاً.
حينئذٍ نقول: لا. ليس المراد به المنع مطلقاً وإنما البيع الذي يترتب عليه مفسدة التأخُّر عن صلاة الجمعة.
﴿إذْ الْبَيْعُ وَالْقَضَاءُ لا يُمْنَعَانِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي غَيْرِ وَقْتِ النِّدَاءِ، وَالْقَضَاءِ مَعَ عَدَمِ الْغَضَبِ أَوْ مَعَ يَسِيرِهِ، فَلا بُدَّ إذًا مِنْ مَانِعٍ، وَلَيْسَ إلاَّ مَا فُهِمَ مِنْ سِيَاقِ النَّصِّ﴾ في الآية ﴿وَمَضْمُونِهِ﴾ كالحديث ﴿مِنْ شَغْلِ الْبَيْعِ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ فَتَفُوتُ وَاضْطِرَابِ الْفِكْرِ لأَجْلِ الْغَضَبِ فَيَقَعُ الْخَطَأُ، فَوَجَبَ إضَافَةُ النَّهْيِ إلَيْهِ﴾.
(وَمِنْهَا) يعني: من أنواع الإيماء.
(اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ) كل ما مضى كذلك اقتران الحكم، لكن هنا لم يأت شيء واسطة كالفاء، أو سياق الكلام، أو جواب سؤال إلى آخره. وإنما جاء: أكرِم العلماء، لماذا؟ لعلمهم.
إذاً: الأمر بالإكرام، ثُم تقييده بالعلماء دل على أن الإكرام من أجل العلم، أهِن الجهال؛ لجهلهم.
قال هنا: (اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ) يعني: للحُكم.
(كَأَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنْ الْجُهَّالَ).
﴿فَإِنَّ الإِكْرَامَ مُنَاسِبٌ لِلْعِلْمِ﴾ بل هو واجبٌ.
﴿وَالإِهَانَةَ مُنَاسِبَةٌ لِلْجَهْلِ﴾ وأما الجهال لا، الإهانة ليست واجبة، قد تكون مناسبة من حيث الجنس، لكن "أهِن" يكون واجباً؟ لا.
﴿لأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلاءِ: تَرْتِيبُ الأَحْكَامِ عَلَى الأُمُورِ الْمُنَاسِبَةِ، وَالشَّرْعُ لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلاءِ﴾.
بل قد يقال بأن هذا مقتضَى اللغة، فحينئذٍ بدلاً من أن نجعل الكتاب متعلقاً بالعقلاء نجعله راجعاً إلى قواعد اللغة أولى، وهو أنه في استعمال أهل اللغة لا بد من مراعاة سياق الكلام وما يترتب عليه الحكم من الفائدة وعدمها.
وكم مر معنا أن الاستدلال باللسان: أن السيد لو قال لعبده افعل ولم .. إلى آخره، هذا استدلال لغوي، حينئذٍ لو أطلق متكلم فقال: أهِن العلماء لما قبِلَه الناس .. إلى آخره، فنجعل الاستدلال استدلالاً لغوياً، وهذا أولى من جعله متعلقاً بتصرفات العقلاء.