قال الشيخ الأمين: مركَّب الأصل هو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، وعلى كون الوصف المدَّعى أنه علةٌ موجودة فيه، ولكن كل واحدٍ منهما يدعي له علة غير علة الآخر. كالاتفاق على تحريم الربا في البر -اتفقوا على أنه محرم-، وعلى وجود وصف الكيل والطُّعم فيه -لا يختلفان-، مع أن بعضهم يقول: العلة الكيل، والآخر يقول: العلة الطعم. هذا المثال أحسن مما ذكره المصنف.
اتفقوا على تحريم الربا في البر، إذاً: هذا أصل –البر-، وهو أصلٌ متفقٌ عليه، وفيه الكيل والطعم، إذاً علتان موجودتان، لكن بعضهم يرى أن علة التحريم هي الكيل -كونه مكيلاً- وليس العلة الطعم مع وجودها، والآخر يرى أنها الطُّعم هي علة الحكم مع وجود الكيل ولا يرى أنها هي العلة. هذا هو الظاهر.
{قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ مُرَكَّبًا لإِثْبَاتِهِمَا الْحُكْمَ كُلٌّ بِقِيَاسٍ، فَقَدْ اجْتَمَعَ قِيَاسَاهُمَا.
ثُمَّ إنَّ الأَوَّلَ اتَّفَقَا فِيهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ الأَصْلُ بِالاصْطِلاحِ دُونَ الْوَصْفِ الَّذِي يُعَلِّلُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فَسُمِّيَ مُرَكَّبَ الأَصْلِ}.
إذاً: قوله (وَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ) يعني: ﴿مِنْ حُكْمِ أَصْلٍ﴾ (لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) يسمى ماذا؟ (يُسَمَّى مُرَكَّبَ الْأَصْلِ).
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُوَافِقًا عَلَى الْعِلَّةِ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ وَذَلِكَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ﴾: (أَوْ لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الْخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الْأَصْلِ).
وَهَذَا يُسَمَّى قياسٌ مركب لكنه مركب الوصف ﴿سُمِّيَ بِذَلِكَ لاخْتِلافِهِمَا فِي نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ﴾.
نقول: نعم هذا الحكم مرتبٌ على هذه العلة، لكن أمنعُ وجود هذه العلة في الأصل.
قال: (أَوْ لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الْخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الْأَصْلِ) وَهَذَا (يُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ).
قال الشيخ الأمين رحمه الله تعالى: مركب الوصف هو أن يتفق الخصمان أيضاً على حكم الأصل، ولكن العلة التي يثبتها المستدِل يقول الخصم إنها غير موجودة في الأصل.
مثاله قال: أن يقال في مسألة تعليق الطلاق قبل النكاح: إن تزَوَّجتُ فلانة فهي طالق -في المستقبل .. هو لم يتزوج بعد- هذا تعليقٌ للطلاق هل يصح؟ لا يصح.
قياساً على قوله: زينب التي أتزوجها طالق، إذاً منع صحة الطلاق في المعلَّق قياساً على قوله: زينب التي أتزوجها طالق.
إذاً: قاس معلَّق على غير معلَّق، نقول: نعم أسلِّم بأن التعليق في الطلاق لا يصح، لكن الأصل الذي قست عليه وهو قولك: زينب التي أتزوجها طالق. ليس فيه تعليق وإنما هو تنجيز.
فحينئذٍ أمنعُ وجود العلة في الأصل.
إذاً: عندنا هنا فرعٌ وأصل. ما هو الفرع؟ إن تزوجت زينب فهي طالق، هذا يسمى تعليق طلاقٍ فلا يصح.
الأصل: زينب التي أتزوجها طالق لا يصح كذلك، حينئذٍ لا يصح لماذا؟
ادعى مدعٍ بأنه لا يصح للتعليق، حينئذٍ آتي وأمنع، نقول: لا. هو لا يصح لكن ليست العلة هذه الموجودة وإنما هو تنجيز للطلاق فلا يقع.