يعني: ما دام أنه تحقق فيه حقيقة القياس بوجود العلة، وعُدِّي إليه حكم الأصل فصار فرعاً وثبت له حكم الأصل إذاً انتهى القياس، حينئذٍ إذا وُجد علةُ هذا الفرع في فرعٍ آخر صار أصلاً له، لا مانع من ذلك؛ لأن العبرة بوجود أركان القياس، فمتى ما تحقق فيه القياس فالأصل فيه الجواز. وهذا الذي أراده.
قال في الروضة: لعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان. يعني: في مقام المناظرة، وأما في الحكم الشرعي فالأصل عدمه.
{وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنَّا، وَقَالَ: لأَنَّهُ لا يُخِلُّ بِنُظُمِ الْقِيَاسِ وَحَقِيقَتِهِ، وَكَذَا أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنَعَهُ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَالْمَنْعُ قَالَهُ الْكَرْخِيُّ وَالآمِدِيُّ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ، وَالْجَوَازُ قَالَهُ الرَّازِيّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: يَجُوزُ عِنْدَنَا، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالصَّيْرَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ}.
وهذا لا يُسلَّم له.
قال: ﴿وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مُتَرْجَمَةٌ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْقِيَاسِ﴾.
وثَم أقوال على ما ذكره المصنف، وما قدَّمه هو المنع مطلقاً، وإن كان ذهب في جمع الجوامع قال: إذا لم يظهر للوسط فائدة، فأما إذا ظهرت له فائدة فلا يمتنع أن يقاس فرعٌ على فرعٍ. لكن إذا ظهرت له فائدة.
قال هنا: ﴿وَجْهُ الْمَنْعِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ اتَّحَدَتْ فَالْوَسَطُ لَغْوٌ﴾.
يعني: الفرع الثاني الملحق بالفرع الأول الذي جُعل أصلاً له، إن كانت علَّةُ الفرع الثاني هي عِلَّةُ الأصل الأول فالوسط لغو؛ لأننا نقيس مباشرة، لماذا نقول: المشروب كذا نقيسه على النبيذ، والنبيذ مُقاسٌ على الخمر؟
إذا كانت العلة واحدة مطردة في الفرعين، فيُجعل الفرع الثاني ملحقاً بالأصل الأول، وهو كذلك.
وحينئذٍ صار التوسط بين الفرع الثاني والأصل هذا يعتبر لغواً.
﴿أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ اتَّحَدَتْ فَالْوَسَطُ لَغْوٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ فَيَكُونُ رِبَوِيًّا كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ يَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ﴾ والعلة واحدة، فيقاس السفرجل مباشرة على البر، بدلاً من أن يقال: السفرجل مطعومٌ فيكون ربوياً كالتفاح، والتفاح مقيسٌ على البر. إذاً: يقيس السفرجل مباشرة على البر.
هذا إذا اتحدت العلة ﴿وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدْ فَسَدَ الْقِيَاسُ﴾ لماذا؟ لأنه يُشترط أن يكون في الفرع الثاني عينُ علةِ الفرع الأول، وعينُ علة الفرع الأول هي عين علة حكم الأصل في الأصل، فإذا اختلفت فسد القياس؛ لأنه متى يُلحق به في الحكم .. متى يستوي؟ إذا اتحدت العلة، نحن ما شبَّهنا الفرع الأول بالأصل إلا لوجود علته، ثم جاء فرعٌ آخر: إما أن تتحد العلة فتتحد مع الأول، وإما أن تختلف فسد القياس؛ لأنه لا يمكن أن يُعدَّى حكم الفرع إلى فرعٍ آخر مع اختلاف العلة.