يعني: جعلَ الحديث هو الأصل، إذاً: لا يمكن أن يكون أصل إلا ما هو أصل في ذاته، وأما أن يكون فرعاً في قياسٍ ثم يُجعل أصلاً، فظاهر كلام الإمام أحمد يمنع ذلك، ولذلك قال: ﴿هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ﴾ يعني: ليس بنصٍ .. لم ينُص على ذلك، وإنما لما جعل: ﴿وَقِيلَ لَهُ: يَقِيسُ الرَّجُلُ بِالرَّأْيِ؟﴾.
ومعلومٌ أن إلحاق فرعٍ بفرعٍ هو أصل باعتبار القياس الثاني، وفرع باعتبار القياس الأول. هذا يعتبر من الرأي.
فلما منعه وأحاله على الحديث دل على أن الاعتبار إنما هو بما دلت عليه الأصول وهو الكتاب والسنة.
قال هنا: ﴿هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ﴾.
قيل: "التفاح" كمثال، التفاح كالبر بجامع الطعم في كلٍ منهما، والبر يحرم التفاضل فيه اتفاقاً، فالتفاح كذلك.
إذاً: ألحقنا التفاح بالبر؛ بجامع أن كلاً منهما مطعوم، هل نأتي للموز فنقول: هو كالتفاح بجامع أن كلاً منهما مطعوم فنُلحقه بالتفاح أو لا؟ هذا محل النزاع.
والمصنف هنا على ما عليه الجمهور وهو المنع.
﴿ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ الْفَرْعِ الْمُتَوَسِّطِ عِلَّةٌ لَيْسَتْ فِي الأَصْلِ وَيُقَاسَ عَلَيْه﴾.
يعني هذا: ﴿قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ .. ﴾ إلى آخره.
﴿ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ﴾ لعل الكلام راجع إلى ابن مفلح. يعني: هذا قولٌ آخر في المسألة.
المسألة الأولى هي المنع: كونه غير فرعٍ.
﴿ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ الْفَرْعِ الْمُتَوَسِّطِ﴾ ما هو الفرع المتوسط؟ هو الأصل الذي معنا.
فرعٌ باعتبار قياسٍ سابق، وأصلٌ باعتبار قياسٍ جديد، يسمى الفرع المتوسط.
﴿عِلَّةٌ لَيْسَتْ فِي الأَصْلِ وَيُقَاسَ عَلَيْه﴾ فيجوز كون الأصل المقيس عليه فرعاً مقيساً على أصلٍ آخر، قال ابن رشد: إنه مذهب مالكٍ وأصحابه.
إذاً: هذا القول الثاني؛ أنه إذا وجدت فيه علة فيجوز أن يُلحق به غيره.
﴿وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ جَوَازَ كَوْنِ الشَّيْءِ أَصْلاً لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ، وَفَرْعًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ آخَرَ، لاَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ﴾.
﴿جَوَازَ كَوْنِ الشَّيْءِ أَصْلاً لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ، وَفَرْعًا لِغَيْرِهِ﴾ وحينئذٍ يكون له اعتبارا: اعتبار من حيث إلحاقه بغيره لوجود العلة في الأصل فيُلحق به في حكمه.
ثم يُجعل فرعاً لغيره فِي حُكْمٍ آخَرَ. متى؟ إذا وُجد فيه علة لأصلٍ آخر.
فحينئذٍ يجتمع في الفرع علتان: علة تلحقه بأصلٍ، وعلة تلحقه بأصلٍ آخر. فيكون فيه حكمان متغايران، ولذلك قال: ﴿فِي حُكْمٍ آخَرَ، لا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ﴾ وهذا عزَّ أن يوجد له مثال.
﴿وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنَّا، وَقَالَ: لأَنَّهُ لا يُخِلُّ بِنُظُمِ الْقِيَاسِ وَحَقِيقَتِهِ﴾.
يعني: لأنه لما ثبت صار أصلاً في نفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص.
قال في الروضة: لعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان.