"يقاس عليه" يعني: غيره، فيُجعل أصلاً، ويقاس هو على غيره فيُجعل فرعاً.
إذاً: قابل لأن يكون أصلاً في قياس، وقابل لأن يكون فرعاً في قياسٍ آخر، ليس في قياسٍ واحد وإنما في قياسين.
﴿أَمَّا الأَوَّلُ﴾ يقاس عليه ﴿فَلأَنَّ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ: يَفْدِي نَفْسَهُ بِكَبْشٍ﴾ هذا رجلٌ ما نذر ذبح نفسه يفدي نفسه بكبشٍ.
﴿فَقَاسَ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ عَلَى مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ﴾.
ولا شك أن من نذر ذبح ولده هذا خارجٌ عن سَنن القياس، حينئذٍ قال: يفدي بذبح كبشٍ .. شاة.
﴿قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ؛ لأَنَّ الظَّنَّ الْخَاصَّ أَرْجَحُ﴾ ولهذا قُدِّم أًصله.
هذا قولٌ في المسألة: بأن ما خرج عن القياس أو ما يسمى بما خرج عن سنن القياس يصح أن يُجعل أصلاً فيُقاس عليه غيره أو بالعكس.
﴿وَمَنَعَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ﴾ قالوا: لا يجوز؛ لأنه ما خرج عن سنن القياس إلا لمعنى، لا يستوي هو مع غيره، ولا يستوي غيره معه في ذلك المعنى.
﴿إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلاً، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<إِنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ>>﴾ وهذه ذكرها في شأن الهر، هل يقاس على الهر غيرُ الهر أم لا؟
هي خارجة عن سنن القياس؛ لأنها غير مأكول اللحم والأصل فيها المنع، فحينئذٍ علَّل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك <<إنها من الطوافين عليكم>> فكل من وُجد فيه علة التَّطواف نقول: ملحقٌ بالأصل؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرج الهرة، ثم ذكر له علة وهذه العلة منصوصة عليها ولا كلام فيها.
حينئذٍ نقول: هذه الهرة إنما خرجت بعلة، فإذا وُجدت هذه العلة في فرعٍ آخر كالحمار مثلاً .. التطواف، هل نُلحق هذا الفرع –الحمار- بأصله الذي هو الهر بجامع العلة؟ قال هنا: نعم.
قال: ﴿أَوْ مُجْمَعًا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ﴾ بمعنى أن الأصل هو المنع إلا إذا جاء الشرع بالتنصيص على كون هذا الخارج عن القياس أنه مُعلَّل، فذكر علة معه. حينئذٍ لما ذكر العلة يرد السؤال: لم ذكر العلة؟ هل ذكرها لمناسبة ما أو لا؟ لما قال: إنها. سيأتي أن من مسالك العلة أنها تأتي في إنَّ .. تكون مُصدرة بإن، كأنه قال: لأنها، وهذه الإشارة إنما هي إشارة لأن يُقاس على هذا الأصل غيرُه متى ما وُجدت فيه العلة وهي علة التطواف، أو كانت هذه العلة مجمعاً عليها يعني: على جواز القياس عليها.
قال هنا: ﴿كَالتَّحَالُفِ فِي الإِجَارَةِ كَالْبَيْعِ﴾.
قال أبو الخطاب في التمهيد: أو يكون مجمعاً على جواز القياس عليه مثل الاختلاف في الإجارة أو في الأجرة أو في المدة.