هذه ثلاثة أقسام: نسخ التلاوة دون الحكم، عكسه، هما معاً. وكلها جائزة وكلها واقعة.
﴿وَأَمَّا نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ: فَمُمْتَنِعٌ بِالإِجْمَاعِ﴾ هذا ما أدري من يتصور هذه المسألة.
{نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ: فَمُمْتَنِعٌ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ مُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى التَّأْبِيدِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)) أَيْ: لا يَأْتِيه مَا يُبْطِلُهُ}. ولا شك أن رفعَ كله هذا يعتبر إبطالاً.
قال رحمه الله تعالى: {ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ النَّسْخِ فِي بَعْضِهِ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ:
مَا نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ، وَحُكْمُهُ بَاقٍ}. هذا الأول.
﴿وَمَا نُسِخَ حُكْمُهُ فَقَطْ, وَتِلاوَتُهُ بَاقِيَةٌ﴾ هذا الثاني.
﴿وَمَا جُمِعَ فِيهِ نَسْخُ التِّلاوَةِ وَالْحُكْمِ﴾ وهذا الثالث.
﴿مِثَالُ الأَوَّلِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، أَوْ يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لأَثْبَتُّهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا اَلْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا﴾.
لكنها ليست مما بقي لفظه على أنه قرآن.
﴿وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ﴾ وهذا محل إجماع.
﴿قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ فِي قَوْلِهِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ: الْمُحْصَنَانِ حَدُّهُمَا الرَّجْمُ بِالإِجْمَاعِ﴾.
{فَهَذَا الْحُكْمُ فِيهِ بَاقٍ، وَاللَّفْظُ مُرْتَفِعٌ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: -وَهُوَ مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ لَفْظُهُ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ- آيَةُ الْمُنَاجَاةِ وَالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا} آية المجادلة {وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ إلاَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَمِثَالٌ آخَرُ لِهَذَا الْقِسْمِ: الاعْتِدَادُ فِي الْوَفَاةِ بِالْحَوْلِ، نُسِخَ بِقَوْله تَعَالَى: ((يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا))} هذا نُسخ وبقي لفظه.
﴿وَمِثَالُ الثَّالِثِ -وَهُوَ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ وَحُكْمُهُ مَعًا-: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ مِمَّا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ، فَنُسِخَتْ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ. فَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ الْقُرْآنِ، لا فِي الاسْتِدْلالِ وَلا فِي غَيْرِهِ﴾.